آخر الأسبوع - وليد سليمان

قبل عدة أيام خرج «حسن أبو علي» أشهر بائع للصحف والكتب الثقافية وصاحب «كشك الثقافةالعربية» في مدينة عمَّان، من المستشفى بعد مكوثه أسبوعاً، بسبب تعرضه لأزمة صحية، استدعت إجراء عملية تكللت بحمد الله بالنجاح.

وأثناء ذلك كان الالتفات الرسمي والشعبي بصحة «حسن أبو علي» مثار اهتمامٍ كبير عبر زيارات شخصية له في المستشفى، وعبر وسائل الإعلام المختلفة من مقروءٍ ومسموعٍ ومرئي، حيث أجريت معه بعض المقابلات السريعة.

مع جلالة الملك عبدالله الثاني

وكان من أهم تلك الاطمئنانات مكالمة سيد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني مع حسن أبي علي، وهو راقد على سرير الشفاء في المستشفى، حيث تمنى جلالته لأبي علي الشفاء العاجل والصحة الدائمة. وقال أبوعلي لِ«آخر الأسبوع»: إنَّ تلك اللفتة الملكية الهاشمية السامية أسعدتني كثيراً وعجَّلت بشفائي والحمد لله.. وهذا ليس بغريبٍ على شعبنا الأردني من تجليات إنسانية مليكنا الغالي أمدَّ الله بعمره.

فما أنا إلا بائع كُتب بسيط حيث يهتم بي جلالته لهو أمرأفتخر ويفتخر به الجميع، ويدل على عظمة هذا الملك الشاب الصادق والأمين نحو أبناء شعبه الوفي.. وقبل سنوات كان جلالة الملك عبد الله الثاني قد أنعم على حسن أبي علي بوسام الاستقلال من الدرجة الرابعة، وميدالية فضية من الدرجة الثانية.

ثم كانت كذلك بعض الاطمئنانات على صحة أبي علي من بعض الرموزالسياسية الأردنية مثل:

رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، ووزيرالثقافة الأردنية باسم الطويسي، ورئيس الوزراء الأسبق عبدالرؤوف الروابدة، والوزير السابق خالد الكركي. والعديد من الصحفيين ومنهم مثلاً: رمضان الرواشدة، ومحمد خروب، ومجيدعصفور، وسمير الحياري، ومحمود كريشان، وعمر كلاب، وحسين دعسة. وبعض القضاة والمحامين مثل: أديب الجلامدة، وأسعد أبو طوق، وأديب حبايب. ومن بعض الأصدقاء كذلك: جورج خوري، وعمران الذهبي، وخلدون العقايلة، ومصطفى نجم، وغيرهم الكثير... من مسؤولي الحكومة والسياسيين، والصحفيين والأدباء والمثقفين والقُراء والأصدقاء والأهل والمعارف.

كلمات من القلب

ومن بعض ما قاله المثقفون والقراء ممن تعاملوا سنوات طويلة مع كتب وصحف أبي علي:

- الشيء الجميل لدى «حسن أبو علي» انه انسان مخلص ومثابر في عمله ببيع الكتب والصحف.. وهذا نموذج مهم لنجاح الشخص والوطن.. حيث ظل في عمله هذا وتخصصه ولم يغيره.. وظل على هويته وإيمانه برسالة الكتاب.. هذا الكتاب الذي يؤثر ايجابياً في رقي المجتمع الاردني.. وتقدير جلالة الملك عبدالله الثاني له بمنحه الأوسمة والتكريم شيء رائع يستحقه فعلاً على جهوده.

- يمكن ان نسمي «حسن ابو علي» بأنه صديق المثقفين بجدارة.. فهو معروف للجميع وتعامله لطيف مع الكل، وهو شخص اجتماعي بدرجة أولى وسلوكه رائع مع المشترين، وهو متكلم يجيد الحديث.. وموفق في اختياره للكتب التي يعرضها، وهي كتب جديدة ومنها متداولة ومتنوعة حتى القواميس أيضاً، فهو انسان منتم لمهنته، وكشكه يظل مفتوحاً لأنه يعتبر الكتب مهمة لدى الآخرين.

- كانت اطلالتنا على الثقافة منذ الستينيات عن طريق صحف حسن ابي علي ثم الكتب فيما بعد.. فقد كان يقسط أثمان الكتب علينا وندفعها عندما يتيسر الحال!! ولا يمنع عنا الكتب بل كان يقول مشجعاً: خذ اقرأ وبعدين ادفع.. انه شيخ الوراقين الاردنيين.. ومكانه هذا هنا هو مركز تعارف واستفسار عن أي أديب أو كاتب تعرفه أو تود التعرف عليه.

- انه محبوب وكريم وطيب اللسان ومثقف يتعامل مع كل الزبائن بوعي واحترام.. ولأنه كذلك يستحق كل الجوائز الملكية التي منحت له.. وهو يهتم كثيراً بالكتب الحديثة جداً من روايات عربية،اجنبية مترجمة حيث عليها طلب كثير هذه الايام.. كذلك يهتم بالكتب الفلسفية والفكرية للمؤلفين العرب والاجانب.. وزبائنه منهم القديم جداً ومنهم الحديث.. ومن القدامى من كانوا طلاباً في المدارس والجامعات وصاروا في مراكز عليا في الدولة والمؤسسات والوظائف.

ومن المدهش انه في العطلة الصيفية يأتي لديه أناس كانوا يعرفونه وزبائن لديه منذ عشرات السنين ليعاودوا الصلة به وشراء الكتب من عنده.. ومنهم من يتذكرهم أبو علي ومنهم لا يتذكرهم!! فهناك الآلاف من الزبائن والناس الذين مروا عليه وتعاملوا معه منذ أزمان بعيدة.

- ما يميز «حسن أبو علي» هو بساطته وتلقائيته في تعامله مع الناس والزبائن حيث الصدق والاخلاص.. أما الامور المادية لديه فهي تأتي بالدرجة الاخيرة.. فهناك من يأتي ربما لأول مرة ليشتري مجلة أو كتاباً ولا يكون لديه فكه (فراطة) فيقول له خذ ما تريد وادفع بعدين!! أي لديه ثقة بالناس حتى من لا يعرفهم جيداً.. وأيضاً هو كريم في ترحابه واستقباله للناس والزبائن من قهوة وشاي وربما أيضاً يطعمك الكنافة من عند جاره حبيبة.

وابو علي يركز في كشكه على احضار الكتب الجادة التي تساهم في تثقيف الناس والقراء سياسياً واجتماعياً وأدبياً وفنياً.. وأشتري من كشكه كتبا ثقافية متنوعة.. ولكن اكثرها من الروايات العربية الحديثة، حيث أجد متعة كبيرة بقراءتها مثل روايات: عبدالرحمن منيف، وبهاء طاهر، وابراهيم نصرالله، وسميحة خريس، وأمين معلوف، وعلاء الاسواني، وغيرهم من الروائيين الاجانب.

مسيرة حياة

حسن أبو علي دخل التاريخ الثقافي الأردني، فما من مثقف أو سياسي أو أديب أو فنان إلا وتعامل مع كتب وصحف وصداقة أبي علي شخصياً.. ذلك لأنه يتميز بحس ثقافي رفيع، ويعرف ما هي الكتب القيمة والهامة والمفيدة لزبائنه، من كل فئات المجتمع وأفكاره وأمزجته الثقافية، عدا عن أن لأبي علي حضوراً وكاريزما محببة!! في قسمات وجهه وحديثه وترحيبه وأحاديثه الجذابة القريبة للقلب والروح.

ومن أجل هذا فلا نستغرب لِمئات المقالات واللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي سبق أن أُجريت معه، كذلك دخول اسمه وشخصيته في عشرات من الروايات والقصص والقصائد الأردنية والعربية لشخصيته العمَّانية المؤثرة.

كشك الثقافة العربية

في منتصف السبعينات أو بعد ذلك بسنة أو سنتين تم انتقال بسطة كتب أبي علي من دخلة ماضي إلى كشكه المعروف الآن بجانب مبنى البنك العربي–دخلة حلويات حبيبة، حيث بدأ مشواراً تكميلياً لما سبق من مسيرته الثقافية، مع عالم الصحف والكتب والتواصل مع مثقفي الأردن والعالم العربي كذلك.

ومنهم الذين أصبحوا أصدقاء حميمين له مثل: الشاعرة فدوى طوقان، عبد الوهاب البياتي، سميح القاسم، والمفكر الخليجي محمد المسفر، والكثير...عدا عن معظم أدباء وشعراء وكتاب وصحافيي ومثقفي وسياسيي الأردن من وزراء ورؤساء وزراء.

كتب مهمة

وفي كشك الثقافة العربية زاد الاهتمام بتنوع الكتب المعروضة التي يعرف أبو علي أهميتها وحداثتها على الساحة العالمية والعربية والأردنية.. لذا نراه كان من الأوائل الذين أحضروا أهم الكتب والروايات العالمية والعربية الحديثة لعرضها وبيعها للقراء الأردنيين والعرب هنا في عمان.

فقد اهتم بإحضار كتب ماركيز وأهمها مثلاً «100 عام من العزلة»، وكتب وروايات ابراهيم الكوني، وأمين معلوف، وجورج أمادو، وكارلوس فونتس، وجورجي بورخيس، وايزابيل الليندي، وسارا ماجو، وامبرتو إيكو، وأورهان باموق، أحلام مستغانمي، سميحة خريس، وزياد قاسم، وابراهيم نصر الله، وجمال ناجي، وإلياس فركوح، مؤنس الرزاز، هاشم غرايبة، هزاع البراري، وبسمة النسور.

وكتب أخرى في الفكر والأديان والسياسة، ومذكرات كبار شخصيات العالم العربي والأجنبي، ومؤلفات دين براون والكتب التي تتحدث عن العدو الصهيوني وشخصياتهم الشهيرة منذ القديم، وكتب الساسة الأردنيين والعراقيين والفلسطينيين وغيرهم.

في مشهدنا الإعلامي

وحسن أبو علي حالة ثقافية خاصة ومميزة ونادرة في مشهدنا الإعلامي الأردني بل العربي، لأنه خدم الثقافة والوعي والفكر لدى العديد من أبرز شخصيات هذا البلد ومن كل التخصصات.

وقد اعترف الكثير منهم قائلين: لقد تعلمنا من كتب أبي علي مثلما تعلمنا من جامعات الأردن.. ومنهم من أكد أنه كان يشتري الكتب منه بالدين وعلى الدفتر، ومنهم من يقترض المال أيام الزنقات.

والكثير من زبائنه أصبحوا أصدقاء مقربين فهناك بينهم اللقاءات والزيارات الدائمة في الكشك أو البيت.. حتى أن بعض الأدباء والصحافيين الذين توفاهم الله من أصدقائه كان أبو علي يستقبل التعازي فيهم بعد مدة من الزمن للذين فاتهم الذهاب لبيت العزاء أو لم يعرفوا مكان العزاء.. فهو أب وأخ للجميع.

لذلك فلا غرابة أبداً أن يكون كشك حسن أبو علي للكتب والصحافة معلماً حضارياً وسياحياً من معالم عمان الجميلة والتراثية.