كتب: حسين دعسة تصوير: نادر داود

بينما كان طيف حرير الروح يتبع عشرات الطيور المهاجرة، فى سماء عمان، ساعة الغروب، بدت الجدران تهمس لحجارتها القديمة، تهجس لتتجمل على ذاكرة سقف السيل، هذا المجد الذي اختار إحتواء تلك المسارات التي شهقت لرؤية جبال، مهدها من حب وجمال وتراب غسلته عيون تتجلى بين جبل القلعة، ومهبط السيل عند حد سبيل الحوريات.

تابع صاحبنا اسراب الطيور الآمنة، اقتنص شفيف الحرير وألق زخرف خلاخيل ذهبية تلاحق بلمعانها بقايا الغروب.

لملم ذاكرته مع بوذا: «إن العالم مبتلى بالموت والانحلال. لكن الحكيم لا يأسى، بعد أن تحقق من طبيعة العالم».. وكانت هي العالم تتناور مع الصبر وتحاكي صمت الجدران.

.. دخلت محراب وسط البلد، عادت حركة البشر تلتقط كل شيء، تسرح بخيالها نحو رائحة الخبز البلدي، تنهل من اعشاب صيفية تتسابق في ألوانها، زعتر ونعناع، كرات وخس، وحمرة الفجل وليونة الهندباء والبصل الأخضر.

ضحكت حرير الروح، ضحكت، لكزني بائع البخور، همس في اذني:

-يا رجل ما يضحك سنك، انت وسط السوق!

-عفوك فقد رأيت ما لا يرى، ضحكت روحي، فضحكت.

نظر البائع فلم ير في سقف السوق الا ظلالاً تنتظر عتمة الليل، قال:

-كان الله في عونك.

أحضر العطار الحن، اقدم عطارين عمان، وما زالت ابتسامته تغالب ما حمل لي من البخور والمر والكافور، قلت له للتحايل على الموقف الحرج، فقد رأيت حرير الروح تتعطر من بلسم نبطي ترك العطار قارورته تفوح،:

-سيدي، هي وصفات طلبتها شقيقتها، تريد تبخير جدران المنزل لنتخلص من لعنة الكورونا والمرض والحسد، والعين.

سكت؛ ذلك انه يعرفني، وينكر حاجتي لهذه الوصفات، ومن النادر ما أخاف لوعة الجن، واحترمي بالناس والجدران، ولي طيف الحبيب، قرين العمر وما تبقى يعز عليه تركي وحيدا.

.. للبائع الحن، ميراث اشتغل في قاع المدينة لعقود خلت في تحسس العطور والعاج والحرير واللؤلؤ، والاعشاب العطرية والطبيعة التي تصل اليه من جنوب الحجاز والصين والهند وأفريقيا وأرجاء المتوسط.

.. تتلون حجارة البيوت والمحلات بالقبول والهمسات، تعيش شوارع وادراج المدينة حالة عشق صوفي لاثر الناس والعمارة التي هربت من زلزال الحظر والوحدة إلى أهداب عمان، موج من الحنين الممزوج بالصبر والأمان.

لم احس، فقد تصامنا انا، هو، عماد بائع الترمس على صينية من الألمنيوم، ترمس حلو يا ترمس، ترمس للحلوين والحلويات، ترمس الرحمة والمطلقات.

مرت الطيور سريعا نحو غابات الشمال، لوحت لتحرير الروح، هنا جدران قديمة تنبض بالحب والحياة، تمايلت وسمعت وحدي رقص خلاخيلها، كان الشارع يسحبني في غيبوبة عطر البلسم وتداعيات بخور

اللبان،الذي ما أن احترق حتى تمايلت الجدران.

.. لأطباء قاع عمان تاريخ مع جدران عيادات عشنا ألآمنا فيها، وهي اليوم تحاكي لعنة الهجران، يدخلها الفقراء للم جروحهم ومخاوفهم، وللتحدث في استراحة تئن مراوح الهواء فيها من لوعة المرض.

..وحيدا مشيت ابحث عن مكونات باقي الوصفة التي اخترعتها شقيقتي ولا اعرف مصدرها،مع البخور تريد لبخة عجين عويص معجون بندى الصباح!

-فعلا مجنون، صرخ في وجهي صبي الفران العربي، قلت يا معلم حلها نتناول قرصة عجين وقال لي :

-اكذب وافهم شياطين هذا العالم انها عجينة تمت على نتش الندى وبدون ملح،لم تمسها خميرة،و..توكل على الله فالبلدي يؤكل وخصوصا اذا طاب بخوره!.

ها انت تتمهل في تفحص ملامح الناس،تتفقد الجدران،تتناوب مع قدميك في تلمس تعب الطريق، تشم روائح كثيرة وتغشى عينيك التفاتة حرير الروح على دفتر رسومك القديمة،وفيها رسمت عشرات الاسواق القديمة على مسار السيل،ونخرت تربة السيل ونبع السبيل الروماني القديم،كنت كأنك تنتظر تلك الطيور،لتنام الى جانب اليمام العاشق،لعاشق توقف يعد خصلات متناثرة من شعر يلون ليل عمان.

huss2d@yahoo.com