د. شروق أبو حمور

ملاحظة: الأسماء التي يتم ذكرها في الحالات أسماء افتراضية لا علاقة لها بأصحابها على أرض الواقع.

«إلى عوالم الجن»

نحن نتجنب أحياناً شر الناس لوضوح الرؤية لنا ضمن عالم الإنس فالعدو الظاهر هو أسهل المخلوقات تعاملاً معه، ولكن العدو الذي يحمل جلد الصديق ويمارس طقوس المحب، هو الأكثر شراسةً ومكراً، وهم لخبث نفوسهم يجبروننا أن نزور شر ما خلق ضمن عالم اخر وأعداءٍ لا تستطيع أن تواجههم عيناً لعين.

عدوك الصديق هو أشباه البشر، لا يستطيعون المواجهة، وقلوبهم المريضة لا تشفي غليلها الانتقام والرد والشتم وحتى الضرب، فيلجؤون إلى عالمٍ اخر، يعتقدون بأن قواه الخفية قادرةً على النيل ممن كرهوا، وغير مدركين بأنهم ما هم بضارين به من أحدٍ إلا بإذن الله.

«سراب» فتاة تبلغ من العمر «١٧» عاماً، أنهت الثانوية العامة بتفوق، ولأسبابٍ غامضة وغير مفهومة، ودون مقدماتٍ لأمراضٍ سابقة، أصبحت تعاني الغياب المفاجئ عن الوعي، الصراخ والعويل، وسردِ أحداثٍ وقصص لا يراها سواها.

حضرت للمشفى، وعملت جميع الفحوصات وتخطيطات الدماغ، وكانت جميعها سليمة.

حُوِلت الحالة لي، وجلست وأب المريضة وأمها، ليسرد كلٌ منهما قصة سراب كما يرى، وما هي الحلول التي لجأ كلٌ منهم ليتبعها ومشكلة ابنتهم، وبإجماع الأب والأم فقد أكدا بأن سراب تعرضت للسحر والشعوذة من أحد الأقارب، وأنها الان «ملبوسة».

هي بحاجةٍ لعلاج وقراءة مكثفة حتى تتخلص مما تعانية، وتطرد الأرواح الشريرة التي سكنت دواخلها.

انتهيت من الجلسة مع الأسرة، وانتقلت لجلستي مع سراب، كانت خلال محادثتي لها، تخبرني بأنها تشاهد أشخاصاً ضمن عوالمٍ أخرى، على يميني ويساري، وأصبحت تحادثني ببعثرات تسمعها حسب قولها، يمليها عليها العالم الاخر.

كانت ملقاه على سريرها وقد اتعبها المرض وأعياها، وكانت بالنسبة لي حالةً غريبةً أعيشها، وكنت بين الرفض والقبول والذهول حائرة، أبحر واستمع، أرفض وأتقبل، والكثير الكثير تعيشها دواخلي، وتترجمها جوارحي.

أم سراب وأثناء جلستي والمريضة، كانت تلاحظ قبولي تارة ورفضي تارة، وسؤالي اذا كان في الأسرة تاريخٌ لمرضٍ نفسي.

إجابتها كانت: «بعرف انك بتفكرينا مجانين، بس بدّي أطلب طلب منك»

زودت والدة المريضة بتعابيرٍ وجمل أرفض اتهامها بها، وادعمها وتقلل من حدة حزنها، وسألتها عن طلبها، وكان بأن أقف أمام سرير ابنتها، وأقرأ الفاتحة واية الكرسي والمعوذات.

ولأنني أحب الخوض الكثير، والتعرف على كل سرٍ خطير، وأغامر أحياناً وأنا لا أعلم المصير، وافقت على طلب الأم، وبدأت أنظر للمريضة وأردد:

قل أعوذ برب الفلق....

قل أعوذ برب الناس......

قل هو الله أحد................

الله لا إله الا هو الحي القيوم.................

» ولا الضالين، امين».

كانت تصرخ وترفض السماع، وتشتمني، وتتوسل لي أن أصمت.

نبرة صوتها اختلفت، ملامح وجهها تجهمت، شعرت بأنها تريد أن تقتلني، ولكن سراب كان لها من اسمها نصيب، فهي جعلتني أعيش أحداثاً تشبه عالم السراب.

لقد انتهيت وغرفة المريضة غادرت.

حَولت المريضة لمستشارٍ ديني، شخص سراب وأكد بأنها ملبوسة، وبدأ واياها العلاج الروحاني.

انتهى يومي في العمل، ولكن ثقلاً حل بجسدي، وصداعاً لم يفارق رأسي، ووهناً حل بأطرافي، لأخلد ليلاً لأحلام توسلت الصباح حتى تنتهي، ويحل يوم جديد.

ذاك اليوم الجديد علمني بأن:

- لا أمازح عالم الجن لأتأكد من وجودهم.

- أحياناً يجب أن تقول «لا» فوجودها مهمٌ في حياتنا مثلها مثل «نعم» وهذا ما كان يجب أن أفعله ووالدة المريضة عندما طلبت مني القرأة على ابنتها لتؤكد لي صحة ما يقولون.

- أيقنت بأن ألح بالدعاء مستعيذةً برب الناس ورب الفلق، وأن يقينا واياكم من «شر ما خلق».

«سراب» حقيقةٌ يجهلها كُثُرْ.