الدكتور عامر العورتاني

Dr.Amer.Awartani@gmail.com

أخصائي علم الاجتماع

قيل في الأمثال أنّ السعادة تكمن في الماء والخضراء والوجه الحسن، وفي المقولة فلسفة تتلمّس الجمال في تلك الغريزة البدائية التي تحثّ الإنسان على تذوق الجمال في كل ما ينبض بالحياة، فكما هو ظاهر في الطبيعة والكون، فهو كامن كذلك في القيم الفُضلى، والفكر الإبداعيّ، والأعمال الأدبية والفنية، ولقد اعتبر » ايمانويل كانت » أنّ تقدير الجمال غاية في حدّ ذاته.

ولا شكّ أنّ المرأة تُجسِّد موضوعاً جذّاباً عند الحديث عن الجمال، ففيها من قيمه ومؤشراته الحسّية ما تفتقت عنه قريحة الشعراء، وما خلّدته رسومات الفنانين ومنحوتاتهم التشكيلية، فإذا ما بدأ النقاش حول المرأة الأجمل، فإن الخاتمة ستُفضي إلى أنّ الجمال مسألة نسبية تسلك أحد اتجاهين، فبين جمال الوجه والقوام أو رجاحة العقل وعُمق البيان، منطقة محايدة تتألق فيها حلاوة الروح وطاقة جاذبة لا سبيل لاكتناف سرها الغامض.

وبالفعل فقد ساهمت البيئة الثقافية في تبدّل التصورات التي يتمّ وفقها تذوّق مواطن الجمال في المرأة، فقد كانت السمنة تمثّل المقياس الوحيد لجمال المرأة في العصر الحجريّ، في حين أنّ الفراعنة رأوا في المرأة النحيلة ذات الخصر العالي والأكتاف الضيّقة والوجه المتناظر تصوراً مثالياً للجمال، وفي عصر الإغريق كانت الكفة تميل باتجاه الرجل عند الحديث عن الجمال، أما معايير الصينيين فقد ذهبت إلى تفضيل المرأة الرشيقة ذات الأقدام الصغيرة والشعر الأسود والأسنان البيضاء والشفاه الحمراء، وعكست لوحات فناني عصر النهضة الجمال الأنثوي ّ حيث الخدود تبدو متوهجة والوجه مستديراً والبشرة ذات لون فاتح، أما في العصر الفيكتوري فقد انتشرت أدوات ساعدت على جعل خصر المرأة نحيلاً، كما انتشر استخدام مساحيق التجميل والتي تمثّلت غالبيتها في مواد كالرصاص والزئبق والأمونيا والزرنيخ، وذلك لبثّ النضارة والتألق في الوجه والعينين رغم ما يُعرف عن تأثيراتها الشديدة السُمّية ، وفي القرن التاسع عشر أُضيفت الغمّازة إلى أركان جمال المرأة، وبإضافة لمسة صبيانية إلى ملابسها في القرن العشرين أصبحت حركتها أكثر سهولة لتلتحق بسوق الصناعات الحربية والثقيلة.

وفي عصر الثورة الصناعية الرابعة، وزمن العولمة الذي أفرز ثقافة شبه أُحادية بين شعوب الأرض، فإنّ معايير الجمال لم تعد تتصل بالموقع الجغرافي أو الثقافة المحلية، ما جعل النساء في مختلف المجتمعات يتّبعن اتجاهاً واحداً لا ينفك يتقلّب في مقاييسه المتعلّقة بالجمال، فأصبحت غالبية النساء متشابهات وجميلات بشكل مستنسخ.

ولا شكّ أنّ المرأة في رحلة البحث عن الجمال تخوض صراعاً لذيذاً، إلاّ أنّ هذا الصراع في واقعنا المعاصر بدأ يذهب إلى شيء من التطرّف المختبئ خلف الصيحات التي ما تلبث أن تنطلق في مكان ما من أرجاء المعمورة حتى تصل إلى أقصاها، فتجد امتثالاً فورياً وانصياعاً أعمى لمجاراة كل جديد في معادلة جمال المرأة، إلى حدّ بذل أغلى الأثمان في سبيل الانتصار في معركة الجمال الطاحنة، والتي يستعر وطيسها بين صالونات التجميل وعيادات الجراحة البلاستيكية ومراكز العناية بالبشرة وأخصائيي التغذية وصالات اللياقة البدنية، وليس في هذا إنكار لحق المرأة في رعاية جمالها وريّ عطشها الدائم للتفرّد، وإنما هو الإشفاق عليها بما أُضيف إليها في زمان أثقل كاهلها بالأعباء، نظير ما تعتقد أنها نالت من حرية، وهي تفقد مع كلّ خطوة على طريق الحرية المزعوم جزءاً من أنوثتها وحقها الأساسي في أن تقرر ما تريد أن تكون، فلا تنتهي هدفاً ساذجا ً في أسواق المال التي تضارب بأسهم المئات من شركات الموضة ومستودعات الصناعات الطبية المُصنِعّة للجمال ومئات أخرى من بعض برامج الإعلام التي لا ترى في المرأة سوى لوحة إعلانية مثالية للتسويق.

إذاً فإنّ مقاييس الجمال في المرأة تنطلق إلى غاية ماديّة لن تصمد أمامها قيمتها الجوهرية، الأمر الذي سيُخفّض من مستوى الشعور بقيمة الصورة الذاتية لدى بعض النساء ممن لا يتفق ظاهرهنّ مع المعايير السائدة للجمال، ويخلق شعوراً بالتقصير لديهن اتجاه الذائقة الجمعية للجمال والتي تمت برمجتها عبر الصورة القياسية التي يتم تصديرها للمرأة إعلامياً وفي بعض أعمال الدراما، فتجد المرأة نفسها محاصرة برغبة دفينة لبلوغ المعايير التي تضعها في دائرة القبول الاجتماعي، وأمام إلحاح الرغبة تبدأ رحلة البحث عن إكسير الجمال بين خلطات التنحيف ومستحضرات التفتيح، ولبلوغ الغاية الضالّة تصبح مراكز العلاج بالأشعّة وحقن الإبر وبرامج الحمية الغذائية وسيلة أكثر جدوى، فتتعاظم الرغبة بالمزيد من الضبط عبر العمليات الجراحية، والمرأة لا تكاد تعلم عند أيّ نقطة ستتوقف شهيتها النَهِمة عن صناعة الجمال.

وفي أتون ملحمة الجمال الصناعيّ هذه، تتساقط قيم الجمال الجوهرية بعد أن هزُلت أهميتها في تقييم المرأة، فالدرجة العلمية والمستوى الثقافي والأداء الوظيفي والتضحيات المبذولة تتضاءل أمام مستوى جمال المرأة الخارجيّ، وأمام بعض النماذج التي تطرحها وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي ؛ تجد أغلب النساء أنفسهنّ يُخفقن في امتحان الجمال، ليسقطن في بئر عميقة من عدم الرضى عن الذات والذي قد يدفع ببعضهن إلى براثن الاكتئاب التي تنتهي غالبا بالانتحار في محاولة لتحرير الروح من ذلك الجسد الذي لم ولن يبلغ مدارج الكمال.

فاعلمي سيدتي وأنت الأم والزوجة والابنة والأخت أنك لطالما كنت جميلة حتى بلا مساحيق، جميلة وإن لم تقاربي التماثيل والمنحوتات في مقاييسها، جميلة فقط لإنك المرأة، فأنت بستان الحياة وأنت سرها الأزليّ، فعلى أعتاب روحك تبدأ الأنفاس، وفي أحضان حنانك تتهاوى الآلام.