المتابع المتمعن لما ينشر أو يجري الحديث عنه في بعض الندوات أو المقابلات المتلفزة أو صفحات التواصل الاجتماعي أو في مضامين مُؤلَّفاتٍ صادرةٍ على الساحة يصاب في حالات كثيرة بالذهول والعَجَب، بل والأسف! والسبب عدم توخي الدقة أو التَّثَبُت من الشأن الذي يُكتَب فيه أو يُقال عنه، وعدم الأمانة التاريخية والضميرية في نقل المعلومات والأحداث حَسب مُجرياتها وكما حصلت بالتمام والكمال والدِّقة، أو القيام باجتثاث حِقَبٍ ومراحل مهمَّة وتقديمها منقوصة لغاياتٍ مُحدَّدة، أو التغني ببطولات ذاتيةٍ وانجازات منافية لحقيقة الواقع لإيهام المتلقي أن مَن يَكتُب أو يتحدث كان في مرحلة مُعيَّنة وحيد زمانه! هذا الأمور تنسحب على عناوينَ مختلفة لا تتسع المساحة للخوض فيها في مقالٍ واحدٍ.

أؤكدُ هُنا أنه عند الكتابة عن حِقَب التاريخ ومراحله وشخصياته أو الحديث في ذلك، أو حين كتابة السِّير الذاتية أو التَّحدُث عنها، فمن المفترض سرد الوقائع والأحداث ومُجرياتها استناداً إلى المصادر الأصلية المُعتَمَدة والمراجع المتخصصة والوثائق المحفوظة. وعليه، إمَّا أن يَكتُب كاتب المادة التاريخية أو يتحدث عنها بنزاهةٍ وشفافيةٍ وكما هي في واقِعِها الحقيقي وليس حَسب اجتهاده ورؤيته وأغراضِه، وإمَّا فليترك الشأن للمختصين وأصحاب الخبرة والمعرفة. وفي السياق ينبغي عدم تبنِّي مواقف ووجهات نظر لا تحتكم إلى الوقائع التاريخية وشواهدها وشهودها، فيُصار إلى تغيير مجرى التاريخ وتحريف مُعطياته حَسْبَ الأمزجةِ. كذلك نجد في حالاتٍ عدم ترتيب الحِقب التاريخية على أساس تسلسل الأحداث والحوادث وَتَدرُّج المراحل وتتابعها، إنما بشكل انتقائي يتجاوز عن قصدٍ مراحل زمنية وشخصيات لها أثرها وبصماتها في مسيرة التاريخ والحضارة.

وكثيراً ما نجد في مؤلَّفاتٍ ومن خلال مقابلات مَن يتحدث عن سيرة حياته، فتراه يُمجِّد ذاته ويبدع في تخيلاته فينسب إلى نفسه إنجازات وانتصارات وَوَقفات فيخلط الأوراق ليتَّجِه الإيجابي منها نحو مصالحه وصالِحه. فيوهِم القارئ أو المُستمع أو المُشاهد أنَّه كان على سبيل المِثال يُشْغِل مراكِز متقدمة في مواقع عَمِل فيها، بينما حقيقة أمره لِمن عَرَفه وزامَله وقضى شطراً في صُحبته تُظْهِر عكس ما ادعاه. وهناك مَن يغتنمونَ فرصة وفاة رجالاتٍ وشخصياتٍ لها مكانتها ونفوذها في مرحلة زمنية، فيَدَّعون أنهم كانوا على علاقة وطيدة معهم، وأنهم كانوا مُلازمين لهم فلا يُقْدِمونَ على فعلٍ أو إجراءٍ إلا بأخذ مشورتهم، أو أنَّهم طلبوهم لمراكزَ ومناصبَ لكنَّهم اعتذروا عنها! وتجيء مثل تلك التقولات من باب التباهي وليقينِ هؤلاء أن الموتى لن ينهضوا مِن لحودِهم لِيُبطِلوا مزاعمهم وافتراءاتهم!

وهناك مَن يستغل صفحات التواصل الاجتماعي فتراه يُمجِّد ذاته ويتغنى ببطولاته ويتدثَّر بأسماء مُعيَّنةٍ لامعة يدعي معرفتها ليحجب عن العيون بُطلانَ ادعاءاته. وكثيراً ما نجد مَن يمتطي جهود عُلماء وخبراء مِمَن سهروا وتعبوا وانجزوا في حقل البحوث العلمية والدراسات وغيرها، فتجِده يدَّعي أنه عَالِم العُلماء وخبير الخبراء فيَسْتَل دون وازعٍ من تلك البحوث والدراسات ويعزوها لنفسه ويكون نسَّق في الوقت عينه لِمن يُروِّجه في وسائل إعلامية متفرقة.

إنَّ غاية هذا المقال فتح الأعين كي لا يُصار إلى اعتبار كلّ ما يُنشر في مضامين المؤلَّفات أو يجري بثّه مِن مُنظِّرِينَ وُمجتهدين وأصحاب مآربَ وغايات مَرجِعاً لقراءَة التاريخ أو مصدراً حقيقياً لاستسقاء المعلومات والبناء عليها. فالتَّحقُّق والتأكُّد والتَّوثُّقُ والاستثبات والتمحيص كل هذا مِن المسائل البالغة الأهمية لتحري الحقائق، بل تُشكِّل الأساس لبناء الإنسان الواعي والارتقاء بمستوى تفكيره وإدراكه!

Hanna_salameh@yahoo.com