أبواب - زياد عساف

«عين العفريت..قرن الخرتيت.. حجر جهنم..اّذان الدب»، أسماء مكتوبة بخط اليد مثبتة على صناديق صغيرة مكدسة على الرفوف، قد نحسبها للوهلة الأولى تروِّج لأفلام الرعب، ورغم تكرار هذا المشهد في محلات العطارة وليس في دور السينما إلا أن ذلك لم يحل دون نشوء علاقة وطيدة مابين العطارين و السينما، فشخصية العطار ألهمت كتاباً ومخرجين كثيرين لإنجاز العديد من الأعمال، ومنها ما تم تصنيفه من ضمن أهم مئة فيلم عربي.

ثلاثية..

«العطار» شخصية إشكالية تبحث عن مؤلف، وعندما يكون الكاتب بوزن نجيب محفوظ فنحن أمام عمل أدبي متميز حتماً، وهذا ما تؤكده ثلاثية صاحب جائزة نوبل (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، وكانت فاتحة لشهية عدد من المخرجين سبقهم الى ذلك مخرج الروائع حسن الإمام، وأبدع الفنان يحيى شاهين بتجسيد شخصية بطل الثلاثية (العطار) السيد أحمد عبد الجواد، وبالإجماع يعتبر يحيى شاهين أفضل وأروع من أدى دور العطار على الشاشة الكبيرة، ومن أهم أسباب نجاح هذا العمل أن صداقة حميمة جمعت محفوظ والإمام وشاهين بالشخصية الحقيقية لبطل الرواية السيد أحمد عبد الجواد، يشهد على ذلك جلسات السمر التي كانت تضمهم في مقهى الفيشاوي في حي الحسين بالقاهرة، ما ساهم بتقديم الشخصية بحرفية وإتقان.

مشاهد لا تنسى ..

مشاهد لا تنسى من هذه الأعمال تم من خلالها التوظيف الدرامي الأمثل لمحل العطارة وصاحبها، بالإضافة للأصناف المعروضة للزبائن، من هذه المشاهد ومن فيلم (بين القصرين) 1964 حضور العالمة زبيدة لمحل عطارة سي السيد بحجة شراء بعض الأصناف وهدفها الإيقاع به في حبائلها، ولا يأخذ سي السيد ثمن ما ابتاعته،ويطلب من مساعده أن يسجل قيمة ما أخذته زبيدة ضمن بند (بضاعة أتلفها الهوى !)،وكانت من ضمن أشهر العبارات في السينما العربية، الملفت في هذا المشهد ان سي السيد أطلق هذه العبارة وهو في لحظة الجلوس والاسترخاء خلف مكتبه حالما بسهرات كثيرة من الأنس والطرب ستجمعه بها.

المشهد الثاني ومن الفيلم نفسه تمثل بحضور مجموعة من الشباب لإبلاغ سي السيد باستشهاد إبنه فهمي بالمظاهرات، هنا يقف منتصباً هذه المرة على عكس لقائه السابق بزبيدة، وتختفي من خلفه صناديق العطارة ويظهر على يساره فقط أزهار معلقة على الرف كناية عن جمال روح الشهيد التي لا تذبل، أما في الجزء الثالث ومن فيلم (السكرية) 1973، تحضر اليه زبيده في محل العطارة بعد أن اذبلها العمر والمرض وهو كذلك الأمر، ويدور بينهما حوار وهما جالسان على الأرض هذه المرة كناية عن الانحدار، يتحدثان عن تقلبات الزمان التي أوصلتهما لهذا الحال، واللقطة تشير لأصناف العطارة في الأعلى بينما هما في الأسفل دلالة على أن الوهم هو من تسيَّد وسيطر على مسار حياتهما في النهاية.

مبروك العطَّار..

الفنان حسن البارودي سيبقى علامة في تاريخ السينما العربية لتنوع الأدوار التي قدمها، ويبقى أهمها شخصية (مبروك العطار) بفيلم الزوجة الثانية إنتاج عام 1967، ويؤدي دور العطار الذي يوظف الدين لتحقيق ماّربه الشخصية وتسويق بضاعته كعلاج للمرضى، ويقدم وصفة للعمدة (صلاح منصور) لعلاج العقم كما يوهمه، وعندما يمرض الأخير بالملاريا يعارض علاجه عند الطبيب مفضلا العطارة على الطب، وهي نفس المعاناة التي يعيشها الطبيب (يوسف وهبي) مع العطار بفيلم (عاصفة على الريف) 1941، فالعطار هنا يريد أيضاً أن يعالج مرضى الطاعون بأساليب الخرافة والدجل.

عليش..

محطات مضيئة في تاريخ السينما اتسمت بالجرأة في طرح القضايا بالغة الحساسية ومنها قضية العجز الجنسي، والملفت أن هذا الموضوع قدمته السينما المصرية بفيلم (رنَّة الخلخال) عام 1955 أي أكثر من ستة عقود، في الوقت أن العديد من الكتاب والمخرجين اّنذاك تجنبوا الخوض في هذه المواضيع منعاً للصدام مع الرقابة والمرجعيات الدينية.

«عليش العطار» شخصية أداها الفنان محمد نبيه بالفيلم وهو يقدم الوصفة السحرية لا ستعادة شباب الحج عامر (عبد الوارث عسر) المتزوج من فتاة شابة (برلنتي عبد الحميد) يكبرها بكثير، وتنتهي الأحداث بمأساة كادت أن تودي بالأسرة ليختتم المعلق بصوته نهاية الفيلم مختصراً الحكمة التي يراد إيصالها للمشاهد:

«أبى الله إلا أن تتم كلمته.. وأبى الدين الشريف إلا أن تتحقق شرائعه.. وأبت الطبيعة إلا أن يكون الشيخ شيخاً.. والشاب شاباً»

مسعود ابوالسعد..

فكرة العطارة ألهمت العديد من المخرجين بتوظيف الخيال لمقاومة التسلط الذي يمارسه البعض على الناس البسطاء كفيلم (سر طاقية الإخفاء) 1959، ويتحدث عن عطار يجري أبحاثا ودراسات على الأعشاب، ويعبث الابن الأصغر في مختبر والده فيحدث الانفجار وينجم عنه بودرة سقطت على طاقية الابن الأكبر الصحفي (عصفور) الذي يتعرض لتسلط وقسوة مديره ومن قريب الفتاة التي يرغب الإرتباط بها، ليكتشف أن عند لباسه الطاقية يختفي عن الأنظار فيوظف هذه الفرصة للانتقام ممن ينغصون عليه حياته.

«مسعود ابوالسعد» شخصية أداها فؤاد المهندس بفيلم (أرض النفاق) 1968، ويعاني من اضطهاد الزوجة ومدير العمل وأهل الحي، وتقوده قدماه للصحراء، وهناك يستدل على محل عطارة صاحبه (عبد الرحيم الزرقاني) يتسم بالهدوء والوقار ويبيع حبوب الأخلاق والشجاعة والنفاق، ويتناول (ابوالسعد) حبوب الشجاعة ويستعيد هيبته ممن عانى من سطوتهم، وعندما يتناول حبوب النفاق يصل لأعلى المراتب، وفي النهاية يلقي في النيل كيسا يحتوي على كمية كبيرة من حبوب الصراحة وتكون العواقب وخيمة بطبيعة الحال.

العار..

عندما تخرج مهنة (العطارة) عن الإطار المحدد لها يسترعي لفت انتباه المجتمع للخطورة الناجمة عن ذلك خاصة عندما تتحول هذه المحلات كتغطية لتجارة المخدرات وهذا مايحدث في الواقع، فيلم (العار) 1982 نبَّه لهذه القضية ومن خلال العطار تاجر المخدرات المتستر بالدين (عبد البديع العربي)، ويتوفى بحادث سير قبل أن يتم صفقة (هيروين)، ويتولى الأبناء الثلاثة هذه المهمة تجنباً لشبح الإفلاس الذي يتهددهم وإثر ذلك يخسر كل منهم وظيفته ومركزه، والنتيجة ضياع الأسرة كحتمية ونتاج لهذا النوع من الأعمال.

الفكرة ذاتها تكررت بالفيلم التجاري (الأهطل) 1990، لسمير غانم وبوسي إخراج أحمد السبعاوي، وعبر شخصية المعلم فخري صاحب محل عطارة وما هو إلا ستارة لتجارة المخدرات، ويستغل سذاجة شاب بسيط لإقناعة بتوصيل شحنة منها موهما إياه بأنها عطارة.

السبوع..

ارتباط العطارة بمجموعة مناسبات دينية واجتماعية وما يصحبها من طقوس وثقته السينما العربية بمجموعة أفلام منها: فيلم (خان الخليلي) وفي مشهد تزاحم الناس على محل العطارة في الليلة الأولى من شهر رمضان لابتياع ما يتعلق بطقوس الشهر الفضيل، وبفيلم (الحفيد) إنتاج عام 1975 للمخرج عاطف سالم، وفي أحد المشاهد أيضاً يتوجه عبد المنعم مدبولي وكريمة مختار لشراء مواد العطارة اللازمة لعمل السبوع لحفيدهما الأول.

إحتكار..

ظلت مهنة العطارة حكراً على الرجال فقط، الفنانة سهير البابلي خرقت هذه القاعدة بفيلم (السيد قشطة) 1985، وأشرفت على المحل الذي يملكه زوجها بعد أن أهمل الأخير عمله لارتباطه بزوجة أخرى،في الوقت نفسه تضمنت بعض هذه الأعمال إساءة للمرأة بتكرار مشهد ذهاب سيدة لمحل العطارة لغواية العطار صاحب المحل، وعلى طريقة زبيدة بفيلم (بين القصرين) المشهد نفسه تكرر بفيلم (امرأة على الطريق) 1959، ومن خلال شخصية لواحظ (هدى سلطان) التي تحاول إثارة العطار بالفيلم، وبفيلم (المتسول) 1983 يعمل عادل إمام في محل عطارة ويتعرض لنفس الأسلوب أيضاً.

عطَّار متجول..

السينما المغربية كان لها بصمتها الخاصة بتوظيف شخصية العطَّار في مجموعة من الأعمال التي تستحق المتابعة والدراسة، الناقد محمد زروال تطرق لهذه القضية مستحضراً مجموعة أفلام بهذا الخصوص التي سلطت الضوء على شخصية العطار المتجول بأفلام مثل: كنوز الأطلس لمحمد عبازي، منبع النساء، أندرومان للمخرج عز العرب، والفيلم القصير (عتبة) للمخرج علال العلاوي، ويؤدي العطَّار المتجول من خلال هذه الأدوار عدة مهام منها ما هو منافي للقيم مثل بيع السلع المسروقة والخمور ومجلات البورنو، ويقوم بدور مرسول الحب أيضاً بتوصيل الرسائل بين العشاق كما تضمنه فيلم (منبع النساء).

يا عطَّارين دلوني..

تغنى مشاهير الطرب بمهنة العطارة والعطارين، ولهم شدت المطربة المصرية أحلام بأجمل أغانيها: (يا عطارين دلوني الصبر فين أراضيه.. لوطلبتوا عيوني خدوها بس الاقيه)، والموسيقار سيد مكاوي وصف حال العطار الذي طال انتظاره لزبائنه من أهل الهوى:

«عطار بقالي سنين قاعد في دكاني

ما عرفش ليه أهل الهوى نسيوا عنواني

فاتت صبية على خدودها قمر خواف

نطقت دموع السهر برموشها قالت لي عوافي».

ما سبق كان من الأغاني المسجلة في الإذاعة، أما في الأغنية السينمائية كان للعطارين حضورهم أيضاً، ومن فيلم (الفانوس السحري) غنى بوب عزام لمصطفى (اسماعيل ياسين): سبع سنين في العطارين.. دلوقت جينا تعالا يا مصطفى ، وتكررت الأغنية نفسها بفيلم (الحب كده) 1961 وغناها بوب عزام بالصوت فقط.

معرفش أدق الكمُّون..

وبفيلم (لسانك حصانك) من إنتاج 1953 يؤدي عمر الجيزاوي دور بائع عطارة متجول يتغنى في بضاعته وأصنافها مشيدا بمزاياها:

«معانا الفكك والفكوك معانا الكحل والنشوق

معانا الحِنَّه الحجازي حنِّي حبايبك واتحنَّى

الدنيا بحالها ما تجازي ورقة من ورق الجنة».

وبرغم ما قدمته الأغنية السينمائية من صور جميلة لعالم العطارة والعطارين، جاء من يشوه هذه الموروث الجميل لتظهر لنا مغنية أو بالأحرى مؤدية اسمها شاكيرا ليس لها أدنى معرفة حتى بالعطارة وبحسب ما تشير اليه بهذه «الخلطة» الغنائية:

«معرفش ادق انا الكمُّون

ولا ليش كلام مع اليانسون

وان عزت فلفل انا جيبومطحون

اكمني دلوعة وقطة مبدقش فلفل ولا شطة

وان عزت في يوم اعمل قهوة

انساها وتفور على سهوة !».