ملك يوسف التل

أول مشاركة لي بدعم من الفنانة نهى بطشون عام 1972 في معرض أقيم في فندق الأردن

الفن العربي كله مرتبك الآن

لم أصل إلى ما أريد، ولن أصل أبدا

منذ طفولتي عيناي متعلقتان بكل ما هو مضيء وبراق

في معهد الفنون كنا ندفع خمسة دنانير شهرياً مقابل تعليمنا، وكثيراً ما كان مهنا الدرة يسامحنا من دفع القسط


وسط هذا الصخب الأممي من ضخ الأخبارالمريضة والحديث الموجوع عن الجائحة المتنقلة، يصبح الكلام في الفن وصفة علاجية مجانية، واستذكارجبل اللويبدة ووسط عمان في الخمسينات، حقنة وقائية تستعيد المناعة الفطرية وتعيد شحنها بالجماليات المنسية.

وتكون هذه الرياضة النفسية أكثر زهوا، اذا كان نبع الجماليات ذكريات انسانية من دفتر فنانة بالفطرة تؤمن بأن اللوحة ترسم نفسها، وان الصورة اذا جرى تعليقها في غير مكانها فانها تبكي.

الفنانة ديانا حجار شمعونكي لديها في قراءة الروح الانسانية ومسؤوليات المبدعين في اوقات الشدة، ما تقوله ويستحق السمع.

فهي تؤمن بقوة لغة الوجه، وقد احترفت استنطاق الوجوه في كل اللوحات التي رسمتها. تقول:

اغلب لوحاتك عن القدس.. هل جميعها متشابه ؟

القدس عالقه في مخيلتي كل يوم .. لا تغيب عن بالي للحظة.. أتذكرها كما اتذكر أمي .. لوحاتي عنها ارث كامل أتركه خلفي ولا أجد أجمل من هذا الإرث شيء. اشكر الله انني من مواليد القدس . واشكر الله ان الأردن امتداد لفلسطين، فعندما اطلع إلى الريف وأشاهد جبال فلسطين ينتابني شعور بالعزه والزهو لانني في هذه البلاد .. اشعر انني مختاره لكوني هنا وأنني من هذه البقعه من العالم .. هذه المنطقة تناسب مزاجي وخيالي ومذاقي وهي جنتي.

وصلت إلى المكانة التي تريدينها؟

لم أصل بعد، ولن أصل لها في حياتي، أقول ذلك بكل تواضع، بعيدا عن التفاخر وحب الظهور والمظاهر.. أنا واقعية ولا أسعى وراء الشهرة.. فقط علي أن أرسم لأنني أحب الرسم.

المدرسة التي تحرسين على نهجها؟

لا أتقيد أبدا فأنا حرة، لكن عملي انطباعي تعبيري، علما ان شخصيتي لا تؤيد كثيراً ما يلزمني، فعقلي حر وأفكاري غير مقيدة.

كيف تتعاملين مع الألوان ؟

لا يوجد لون لا أحبه، كل الألوان بالنسبة لي مهمة ولها قيمة.. ومنذ طفولتي وعيناي متعلقة بكل ما هو مضيء وبراق.. الأوان هي لغة اللوحه، وعنها وعن طريق الخطوط ينقل الفنان احاسيسه . لكن بالنسبة للألوان لدى أغلب الفنانين يوجد لون لا نستعمله بشكل واضح ومباشر إلا ما ندر وهو اللون الأسود الذي أقوم بخلطه دائماً مع ألوان أخرى حتى يخرج بلون جميل. شخصياً أحب كل الألوان. اختارها بشكل عشوائي. لا نظام يقيدني ابدا، وعندما أقوم بذلك اشعر بحريتي التي أومن بها.

من أين تأخذين مواضيع أعمالك ؟

الفكرة والموضوع تشكل 50%، و50% الأخرى هي للألوان، كونها روح اللوحة.

وقد يكون لدي ميزة ربانية بان عيني مثل الكاميرا تلتقط على الفور، ويسموننا فنان مرئي.. منذ طفولتي اجد نفسي التقط ما تقع عيني عليه ويبقى محفوظا في مخيلتي وعقلي لسنوات طويلة، عندما أرى على سبيل المثال فلاحة تسير في الشارع ، فانني على الفور أعود للمنزل وأقوم برسم سكتش وأرسم الألوان التي كانت ترتديها بألوانها وخطوطها وكأن الثوب أمامي.

الفن التشكيلي يحتاج إلى ترجمة؟

كل شيء فن تشكيلي. كل فنان يقوم بالترجمة على ذوقه، والمشاهد يترجم على ذوقه. الفنان يقدم مجهود محترم، لأنه ينقل رسالة ذات هدف فيسخر طاقته التي وهبها الله له ليقدم رسالته. الفن كما قلت رسالة سامية نبيلة بلغات متعددة راقية وهو موهبة من الله عز وجل، ولا أعتقد ان هناك من هو دخيل على الفن، الدخلاء لا يصمدون. ودائماً أقول بأنني إذا لم استغل هذه الموهبة التي أعطاني إياها الله فمعنى ذلك انني مقصرة فيما وهبني الله، لذلك علينا كفنانيين ان نستغل قدراتنا لنتذوق جميعا، فنانيين ومقتنين، لوحاتنا جمال الفن وروعته.

هل أقمت معارضا خلال وجودك في أمريكا؟

بالطبع، ففي أميركا قمت بعمل عدة معارض، من قبل أشخاص في أميركا تكفلوا بكل شيء له علاقة بالمعرض، وهم أميركان، وكانت تزورني في منزلي زوجات السفراء غير العرب وكنت أتحدث لهن عن الفن في الأردن وعن حضارتنا وأحياناً عن الأكلات الأردنية حيث بنيت معهن علاقات ثقافية بتبادل الأفكار بكل النواحي وخاصة فيما يتعلق بالفنون . وقد اقتنى من لوحاتي مجموعة كبيرة من الأجانب سواء أكانوا أمريكان و أوروبيين ويابانيين.

اللوحة التي تجدين نفسك منجذبة إليها؟

عندما أكون لوحدي في البيت يكون هناك دائماً حوار بيني وبين لوحة موجودة لدي في المنزل، وهي مميزة عندي، والسبب أنني عندما انتهيت من رسم هذه اللوحة شعرت بأن هناك رابطا بيني وبينها، وهذا الرابط قوي. قصتها انني عندما كنت أرسمها أصبح رأسي يؤلمني، بسبب ألم نصفي أشكو منه. توقفت عن المتابعة وانا انظر لما قمت به ولم استطع التواصل حتى أتت ابنتي وانا أمام اللوحة عاجزة عن تكملتها .أخبرتها بأن رأسي يؤلمني فنظرت إلى اللوحة مبدية اعجابها، وسألتني إن كنت أريد إكمالها أم لا، فأخبرتها بأنني لا أستطيع حالياً. أحضرت لي كأساً من الشاي وحبتين أسبرين، وبعد لحظات شعرت ان الألم بدأ يتلاشى، فأكملت اللوحة. هي عبارة عن وجه لجهة بها عتمة مثل الشقيقة التي تصيب الإنسان من الصداع والجهة الاخرى غير معتمة، فأسميت هذه اللوحة نادين، على اسم ابنتي التي قامت بإعطائي الأسبرين والشاي وتلاشى الوجع وأكملت اللوحة.

تجاربك مع المعارض؟

منذ عام 1968 لغاية الآن لدي ستة معارض فردية، ، وما زلت اقوم بعمل معارض إن كان في الأردن أو في أميركا. أما المعارض الجماعية فهي كثيرة في الأردن، في أمانة العاصمة وفي جرش ومع فنانين آخرين. وفي كل معرض يكون لدي لوحات جديدة، فأنا أنتج كثيراً، تقريباً يومياً أقوم بالرسم.

أنت والنقد؟

ذات مرة تحدث عن عملي ناقد بكلام جميل جدا. النقاد يحترمون أعمالي وألواني والمناظر التي أقوم برسمها، لكن هناك ناقد إيطالي قال لي مرة بأن من ينظر إلى لوحاتي وجهدي وخصوصاً الوجوه يشعر بأن الوجه سيخرج من الإطار ويتحدث معنا.

هناك حوار بيني وبين الوجه، لأنني دائماً أجعل الضوء ينزل على الوجه من خارج اللوحة وليس من داخلها، أحببت ذاك النقد كثيراً. ومن نقاد آخرين سمعت القول بأنهم عندما ينظرون إلى لوحاتي يتمنون أن يكونوا بداخلها. أيضاً سمعت من نقاد بأنهم عندما ينظرون إلى لوحاتي تترك في عقلهم أثراً يبقى آثار راسخا في عقولهم عندما يخرجون من الغرفة أو مكان العرض. أيضاً أرى دهشة لدى الناس عندما يرون لوحاتي.

وقضية ندرة المتلقي في مجتمع غير عارف عن هذا الفن بشكل دقيق؟

مثل هذا الشعور لا أجده فقط في الأردن. الفناون إجمالاً في كل الدنيا يعانون.

أقول أن الفنان مظلوم. ينتج شيئا جميلاً جداً وقيّم ومهم للثقافة وللتاريخ وللتوثيق لكن للأسف لا نجد هناك تقديرا يستحقونه. عندنا أوعند غيرنا من البلدان ما زال الناس يعتبرون الفن للتسلية و ليس من أولويات الحياة، مع أنها أنبل مهنة في رأيي. فأنا أنتمي إلى أنبل وأرقى وأشرف مهنة في العالم.

أول جالري عرضت فيه لوحاتك؟

أول مشاركة لي كانت بدعم من الفنانة نهى بطشون. المعرض أقيم في فندق الأردن في جبل عمان عام 1972 أي قبل ما يقارب نصف قرن حيث عرضت فيه بعضا من لوحاتي الزيتية، مع مجموعة من الفنانين الأردنيين، وهذا فضل من الفنانة نهى لا يقدر، بدعمها للعديد من الفنانين الأردنيين وتسويق أعمالهم الفنية.

لمن ترسمين؟

لبلدي، ولمحبي الرسم ولأولادي في المستقبل حتى يكونوا فخورين بأمهم وهم يروا أعمالي ورسوماتي، وهذا أجمل ما يمكن أن أورثه لهم خاصة أنهم يعرفون قيمة وأهمية ما أقوم به، وهم فخورون بذلك.

أيام زمان

في الذاكرة استاذ الرسم أرمندو برون وهو ايطالي علمنا انواع الفنون في مدرسة راهبات الناصرة. كان يحب ان نرسم مناظر عمان مع تركيزه على مدينة السلط ويقول لنا: ارسموا السلط تجريد، ونحن لم نكن نعرف ما هو التجريد، وماذا يعني هذا الفن، فنرسم حسب ما علمنا مربعات متداخلة ومكعبات ونجرد المنظر الذي نرسمه. الفضل له بمساعدتنا لفهم التجريد مع اننا كنا نتضايق بان نجرد مناظر الأردن وخاصة عمان الجميلة.وكان عندما لا تعجبه اللوحة يصرخ علينا بالإيطالية.

كنت وزميلاتي اللواتي أحببن الرسم نذهب لمعهد الفنون وكانت الأميرة وجدان ومهنا الدرة في معهد الفنون يعلمان في هذا المعهد وهو أول معهد أسس للفن وموقعه في أول طلعة الحايك. اذكر اننا كنا نصعد الدرج للوصول اليه وهو عبارة عن غرفتين مفتوحتين على بعضهما وكان معتما قليلا، وفيه ديكور متواضع عبارة عن طاولة عليها جمجمة بشرية وشمعدان ومزهرية زرقاء بداخلها ورود ذابلة، وعلى الطاولة ايضا كتب فوق بعضها، واحيانا بعض الفواكه.. كنا نرسم لوحات الحياة الصامتة.

واذكر ان الفنان مهنا الدرة لم يكن يقيدنا باللون الذي يحبه بل كان يتركنا حسب رغبتنا وذوقنا وحسنا الفني، ويساعدنا مرارا في رسم اللوحة. كما وعلمني مهنا الدرة في راهبات الناصرة. كان وسيما جدا له ملامح فنان وكانت الطالبات يحببنه كثيرا، ما كان يثير غضب مديرة المدرسة. ما زالت لمساته أراها في بعض اللوحات كما وما تزال رائحة الدهان عالقة في حواسي.

في المعهد كنا ندفع شهريا خمسة دنانير مقابل تعليمنا، وكثيرا ما كان مهنا الدرة يسامحنا من دفع القسط، ودائما يقول لنا: ارسموا المستقبل أمامكم وقد علمنا الأسلوب الانطباعي والتعبيري والتأثيري بالرسم. كنا مغرمين بهذا الأسلوب، كما وعلمنا نظرية الظل والفيء مثل لوحات لوبورانت، وهو يسرد لنا تاريخ الفن الإيطالي وعصر النهضة، ويحدثنا عن ليوناردو دافنشي والموناليزا، و الجوكاندا.

أسرتي

ندين خريجة جامعة ميريلاند علم اجتماع، عملت في هيئة الامم، والآن تعمل في البنك الدولي ...واشنطن العاصمه. متزوجة ولها ابنتان.. وفيان فنانه تشكيليه خريجة جامعة كوركورون، ماجيستير فنون جميله واشنطن العاصمه متزوجة ولديها ابن وابنة. طارق يرسم بشكل جيد لكنه ليس فنانا خريخ الجامعة الامركيه في وشنطن العاصمه في الاقتصاد والبرمجه، متزوج ولديه ولدان.. فأنا جدة لستة أحفاد حفظهم الله جميعا.