تمرُّ في هذه الأيام ذكرى سيامتي (أو رسامتي) الكهنوتية قبل 25 سنة، وهو ما جرى على تسميته باليوبيل الفضي الكهنوتي. تشرّفت بالعمل منذ عام 1995 في البطريركية اللاتينية في القدس (وتشمل الأردن وفلسطين وقبرص) في عهد البطريرك ميشيل صبّاح، أول بطريرك عربي للمدينة المقدسة – القدس. وأستطيع دون أي إدعاء أن أتحدّث عن ناحيتين: الأولى العمل الكهنوتي، والثانية العمل الإعلامي.

أما الأولى فهي أن تكون رجل دين في نهاية القرن العشرين وفي أول عقدين من القرن الحادي والعشرين. وليس الأمر هنا للحديث عن سهولة أو صعوبة العمل الكهنوتي أو عمل رجل الدين بشكل عام، لكن بالطبع هنالك تحديات كبيرة تفرضها الأيام. وأهمها أنّ رجل الدين قبل عقود من الزمن كان يختلف عنه اليوم، فمنذ طفولتي في بلدة الوهادنة شمال الأردن، على سبيل المثال، كنا ننظر إلى الكاهن بأنه المعلم الأول وأنه المرشد والهادي والمرجع الأساسي وأنّ دونه لا يستقيم شيء لا في الكنيسة ولا في القرية التي كانت تفتقر آنذاك إلى الكهرباء والماء وسبل العيش الأساسية.

تغيّر الوضع اليوم وأصبح النظر الى رجل الدين بصفته انساناً عادياً، وأزيلت هالة السوبرمان عنه، وصار عليه أن يقوم بواجباته الروحية والدينية بالإضافة إلى تشعبات في أعماله الإدارية، وهذا بالطبع بسبب تطوّر المؤسسات التابعة للكنائس في الأردن وفلسطين، ومنها الأكاديمي ومنها الخيري بالإضافة طبعًا الى الروحي.

يتميز العمل اليومي لرجل الدين المسيحي في المنطقة العربية بأن يكون رجل سلام ومحبة ووحدة وإخاء، وأن يكون منفتحاً على الكنائس الأخرى. كما أنّ عليه أن يحترم أتباع الأديان الأخرى وأن يعلِّم الأجيال الناشئة فنّ تقبّل الآخرين مهما كانوا مختلفين أو لأنهم مختلفون. وهذا بالطبع تتميز به كنائسنا ورجال الدين لدينا بأنّ تعليمهم لم يكن أبداً تعليماً للتعصب أو الانغلاق أو النظرة الأحادية إلى الأمور، وإنما دائماً كانت هنالك مشاريع انفتاح وحوار ومودة وإخاء، وبخاصّة في عمل الكاهن الثاني بعد عمله الروحي وهو عمله في حقول التربية وقيامه بالتعليم الديني، في المدارس التابعة للكنائس في الأردن، والحمدلله ما زال حضورها مشرّفاً ومتميّزاً وريادياً.

ويدعى الكاهن في بلادنا بكلمة «أبونا» وهذه الكلمة تعني الكثير بأنه يتدرّب سنة بعد سنة كيف يكون أباً للجميع. وعندما يناديه الناس بـ «أبونا» يشعر لأول وهلة بالجذل والفخر، لكنّه مع تقدّم السنوات يشعر بأنّ هذه التسمية هي أيضاً مسؤولية، وكم تكون فرحته عندما يرى أبناءه الطلبة وأبناء رعيّته يكبرون، فيصبح بحق وحقيقة أباً حانياً مفتخراً بنموّ أبنائه أمام ناظريه.

أما القسم الثاني من عملي في الربع قرن الماضية فكان العمل الإعلامي، ذلك أنّني وقبل الكهنوت كنت أكتب ببعض الصحف ومنها بفلسطين بحكم دراستي. تطوّر الأمر إلى إنشاء الموقع الإلكتروني عام 2003 وسمّي «موقع أبونا» وقد نشأ مع بعض المواقع الإلكترونية المتميزة في الأردن، ومن نقاطه المضيئة أنه ينقل الخبر الديني وأخبار حوار الأديان والحضور العربي المسيحي المشرق والسياحة الدينية، فضلا عن المقالات التي تُنقل من صحف أو يكتبها مختصون. وهو يستقطب القرّاء ليس فقط الأردنيين وإنما أيضاً العرب والأجانب من مختلف أنحاء الدنيا.

الأمر الثاني كان في تأسيس المركز الكاثوليكي للدراسات والإعلام قبل ثمانية أعوام، والحمدلله أصبح له أيضاً حضوره المشرف في وطننا الحبيب، بالتعاون مع المواقع الإعلامية والحوارية في العالم. وإنَّ العمل الإعلامي الديني بشكل خاص له أيضاً تحدياته ولكن في عصرنا الحديث أصبح له أيضاً ضرورته، نظراً لأنّ العديد من المواقع تستطيع أن تبث أخبارا مجزوءة أو مزيّفة، فيقع على كاهل الإعلام الديني الصحيح والصحي أن يكون ملازماً للحقيقة ومدافعاً عنها. وقد تشرّفنا في المركز الكاثوليكي في تنظيم عدد من المؤتمرات في داخل أرجاء الوطن وبحضور دولي مميز، وأبرزها دور الإعلام المسيحي في خدمة قضايا العدل والسلام وحقوق الإنسان، وكذلك دور الإعلام في الدفاع عن الحقيقة، فضلاً عن القيام بورشات العمل التدريبية للشباب الجامعي لكي يكون الإعلام خادماً لما نسمّيه «ثقافة اللقاء». وأتشرّف طبعاً بأن يكون هذا العام أيضاً مرور 25 عامًا على أول مقال لي في صحيفة الرأي الغراء، وهو جزء رئيس من عملي الإعلامي طوال الفترة الماضية.

أشكر الله معكم على كل ما تقدّم وعلى سنوات الخدمة، وكيف وضع الله–المحبّة أشخاصاً يمدّون مصباح كهنوتي بزيت رعايتهم وإخلاصهم وصداقتهم. وهنالك طبعاً من حاولوا أن يخمدوا هذا المصباح وألا يعتبروا ضوءه مفيدا، سامحهم الله! ولكن الحمدلله إنّ الفئة الأولى هي أكبر بكثير من الثانية. وفقنا تعالى جميعًا لما فيه الخير والبناء !

Abouna.org@gmail.com