أبواب - ملك التل

حال الفنان الآن كعامل المياومة.. لكنه يستطيع أن يستلهم من محيطه ويسجل ويبدع بطريقته

في الذاكرة ما تزال أمانة العاصمة في وسط البلد، قرب المدرج الروماني.. وبجانبه فندق فيلادلفيا

الصورة إذا جرى تعليقها في غير مكانها «تبكي»

اللوحة ترسم نفسها وفي كل لوحة طاقة تحتاج من يلتقطها

وسط هذا الصخب الأممي من ضخ الأخبارالمريضة والحديث الموجوع عن الجائحة المتنقلة، يصبح الكلام في الفن وصفة علاجية مجانية، واستذكار جبل اللويبدة ووسط عمان في الخمسينيات، حقنة وقائية تستعيد المناعة الفطرية وتعيد شحنها بالجماليات المنسية.

وتكون هذه الرياضة النفسية أكثر زهوا، اذا كان نبع الجماليات ذكريات انسانية من دفتر فنانة بالفطرة تؤمن بأن اللوحة ترسم نفسها، وان الصورة اذا جرى تعليقها في غير مكانها فانها تبكي.

الفنانة ديانا حجار شمعونكي لديها في قراءة الروح الانسانية ومسؤوليات المبدعين في اوقات الشدة، ما تقوله ويستحق السمع.

فهي تؤمن بقوة لغة الوجه، وقد احترفت استنطاق الوجوه في كل اللوحات التي رسمتها. تقول:

لغة الوجوه في زمن كورونا

«أؤمن أن الوجه سراج الجسد ويعكس روحه في رسوماتي. واشعر ان هذا واجب وطني يقوم به كل انسان حسب مهنته. ففي لوحاتي تظهر الوجوه الحزينة بألوان تعكس الحالة وهي الألوان الغامقة، وهذا يأتي لا شعورياً ويؤثر على الفنان. نحن الآن كما في كل العالم نمر بأزمة كورونا وقد تابعت الأحداث من بداياتها خاصة عندنا في الأردن والدور الرئيسي والمهم للكادر الطبي وعكست ذلك في رسوماتي.

استحالة الابتعاد عن الفن

تقول الفنانة حجار «لا استطيع ان أكون بعيدة عن الفن.. لدي موهبة من الله، ولدي هدف بأن أوثق لوحات حياتي، لذلك يجب أن أرسم. لا يوجد لدي هدف مادي أبداً، ولا هدف الشهرة، فأنا أرسم لأنني أحب الرسم.

لا أستطيع أن أتحدث عن نفسي، صديقاتي ومن يعرفنني جيدا اترك لهن الحديث، لكنني شخصياً امتثل للفطرة الانسانية، احترام الصغير والكبير، مهما كانت وظيفته أو منصبه، أو وضعه.

لدي حدود لا أتخطاها ولا أتخطى خصوصية الناس، لكوني حساسة جداً. أشعر بمعاناة الناس بمجرد النظر إلى وجوههم. وما اريد تحقيقه من فني رسالة سامية فقط.. فلا اسعى من وراء لوحاتي لغايات مادية أو استعراضية أو كما يقولون» برستيج» هذا غير وارد عندي أبدا فالرسم عندي جزء لا يتجزأ من حياتي اليومية.. أرسم بمزاج وكل حواسي متعلقة بما تصنعه ريشتي.

لكنني بالوقت ذاته لا أنكر مدى أهمية لوحاتي في توثيق الحاضر للمستقبل... على سبيل المثال سبق ورسمت منطقة العبدلي القديمة.. الآن عندما نرى العبدلي نجدها قد تغيرت كثيرا عما كانت عليه، مما يعنى أن هذه اللوحات توثق للمكان وللزمان ويأتي ذلك دون تخطيط مسبق أو بقصد التوثيق لهذه المنطقة أو تلك، لكنها بالنهاية هي توثيق.

هل أقمت معارض خلال وجودك في أميركا؟

نعم..أقمت هناك عدة معارض، من قبل أشخاص في أميركا تكفلوا بكل شيء له علاقة بالمعرض، وهم أميركان، وكانت تزورني في منزلي زوجات السفراء غير العرب و أتحدث لهن عن الفن في الأردن وعن حضارتنا وأحياناً عن الأكلات الأردنية حيث بنيت معهن علاقات ثقافية بتبادل الأفكار بكل النواحي وخاصة فيما يتعلق بالفنون. وقد اقتنى من لوحاتي مجموعة كبيرة من الأجانب سواء أكانوا أميركيين أو أوروبيين ويابانيين.

كم عدد اللوحات التي رسمتها؟

كثيرة جدا، لا أستطيع أن أحصيها، فطبيعتي لا أحب الأرقام، لذلك لا أقوم بعد رسوماتي. لكن لدي مجموعات كبيرة، القدس لوحدها تجاوزت 300 لوحة لها.

مصدر الطاقة في اللوحة

لكل نوع جماله الخاص به، فعندما أقف بجانب لوحة تجريدية مثلاً فإما أن تشدني هذه اللوحة وأتأملها وتكون ألوانها متناسقة ويكون فيها طاقة مهمة لا بد من ملاحظتها في اللوحة، فالتجريد له أهميته كثيراً، وأنا أحب أن أصل إلى مرحلة الفن التجريدي، لكنني لم أصل لغاية الآن، فلدي فقط لوحتان تجريديتان، قمت برسمهما في أميركا، والتجريد صعب، وله أصوله... الآن رسمي انطباعي تعبيري. واعتقد انه لا يجوز أن يبدأ الفنان بالرسم التجريدي على الفور، فيجب أن يمر بعدة مراحل حتى نستطيع القول بأن هذا الفنان مهم، أيضاً الفن بحاجة إلى أيام وسنين.

من الذي يرسم اللوحة؟

اللوحة ترسم نفسها والكامن في أعماق الفنان والموهوب والقدرة على الرسم ليس من السهل فصل احدهما عن الآخر وكل هذه الأمور مجتمعة لدي.

بالنسبة لي الخامة تكون بيضاء، فهذه تجذبني, فأبدأ بالرسم بألوان وبعد ذلك تبدأ اللوحة بالظهور تدريجياً، وعادة لا أقوم بعمل تخطيط للوحة، لكنني احدث نفسي انني اليوم أريد رسم ضواحي عمان، فأبدأ بذلك لكن أحياناً يخرج معي شيء آخر، وتتغير اللوحة، الا انني عندما أقوم بالرسم أسمع الموسيقى وأشعر بأن هناك من يساعدني عندما أبدأ، فانسجم خاصة وان لدي طاقة كبيرة. أيضاً تنبع الفكرة من الأعماق، فكل ما ذكرته يجب أن يكون موجوداً لدى الفنان.

ورأيك برسامي الكمبيوتر؟

شخصيا الكمبيوتر ومواقع التواصل الاجتماعي لا أنصح بها، وأعتقد أنه سيف ذو حدين للفنان، لأنها تتدخل كثيراً بالأمور العفوية التي يخرجها الفنان، بمعنى تصده أو تبعده عن عفويته والتي هي من أهم وأروع ما يقوم به الفنان وهو يرسم. بالنسبة لي أفضل بأن لا أعمل عن طريق الكمبيوتر، بل أرسم فناً تقليدياً لما في هذا من متعة لا يشعر بها إلا من مسك ريشته بيده.

ما قصة اللوحات التي تبكي خلفك؟

عندما أضع لوحاتي في أحد الأماكن غير المناسبة أشعر بأنها تبكي وكأنها تريد مني أن آخذها من هذا المكان. هذا ما حصل معي في أحد الأيام عندما ذهبت لأحد الأمكنة لوضع بعض من لوحاتي بها.. خرجت بعد أن أمنتها وفي داخلي قلق لا أدري سببه وربما بيني وبين نفسي شعرت بأن هذا المكان غير مناسب. خرجت وسرت مسافة وكأنني أسمع لوحاتي في مكانها تبكي وكأنها تريد مني ان آخذها من هذا المكان.. هذا الشعور انتابني وفعلا عدت وسحبتها باعتذار.

الحمد لله ان لدينا فنانين رواداً، في الأردن وفي كل الوطن العربي لكن الآن الفن كله مربك. الحركة الفنية بطيئة جدا ككل شيء في هذه الأوقات الصعبة التي تمر على العالم وحيث ان كل الظروف تتبع بعضها البعض نجد وبشكل خاص ان حال الفنان الآن كعامل المياومة. الشيء الوحيد وهو الافضل ان يستلهم الفنان من المحيط وبقدرته يستطيع ان يسجل ويبدع بأفكاره ويصور كل ما يدور حوله بطريقته وبابداعاته لفترة زمنية نعيشها لكنها ستمر ان شاء الله بسلام لتصبح شيئاً من الماضي.

هل من فنانين يبالغون في أسعار لوحاتهم؟

نعم أجد ذلك في بعض اللوحات لدى بعض الفنانين، وأعتقد أن الفنان يجب أن يكون واقعيا، لكن ما هو حاصل ان معظمهم إذا كان متمكنا ومشهورا فلا يستطيع أن يضع أسعارا قليلة للوحاته، بسبب القيمة الفنية للوحة وأيضاً الاستمرارية للفنان. بالنسبة لي عندما يأتي شخص ليقتني لوحة من لوحاتي ولا يكون هذا الشخص غنيا، لكنه مثقف ويقدر الفن ويحترم اللوحة أجد نفسي تساهلت بالسعر معه أكثر مما أتساهل مع شخص يريد أن يحصل على اللوحة كديكور فقط.

القدس عالمي

ولدت في القدس عام 1944، وقضيت فيها فترة قصيرة قبل ان انتقل مع اسرتي إلى عمان، و ما زالت تلك الفترة مرسومة في مخيلتي حتى الآن.

أعشق القدس برسوماتي.. لا أدخل بيوتها وشوارعها وحاراتها وأزقتها.. أرسمها بمنظرها العام وبعظمتها وقبابها وجوامعها وكنائسها و أسوارها العتيقة المحيطة بها بأمر من السلطان العثماني سليمان الأول عندما كانت القدس جزءاً من الدولة العثمانية. أرسم القدس وأنا اشتم رائحة البخور وابتاع من دكاكينها حاجياتي وفي أذني صوت الأذان وأجراس الكنائس في تناغم وتعايش.. كل لوحة من هذه المدينة المقدسة تسجل تأملاتي وأحلامي وانا أتحدى القلاع والمدن الكبرى فيها.

في عمان بدأت أولى مراحل حياتي الدراسية في مدرسة راهبات الناصرة في جبل اللويبدة، وقتها كان جبل اللويبدة خالياً من المباني إلا القليل منها. كان عبارة عن بساتين وحقول للقمح، وتابعت دراستي وحصلت على شهادة من المعهد البريطاني، ثم سافرت إلى أميركا وكان ذلك بعد الحرب العراقية الإيرانية، فذهبت مع زوجي وابنائي لمتابعة دراستهم الجامعية وعندما عاد زوجي إلى الأردن، بقيت في اميركا ودرست الرسم في جامعة قريبة من البيت، وكانت دراستي تتركز على رسم الوجوه والأشخاص.

عشقت الرسم منذ طفولتي ولا أتذكر تحديدا متى لكنني ومنذ صغري كنت أقوم بالخربشة على الحيطان والورق، أرسم على كل ورقة أجدها بيضاء، وما زلت كما في طفولتي لدي هذه الطبيعة، عندما أجد أمامي ورقة بيضاء أقوم بالرسم عليها وأنا جالسة أشاهد التلفزيون أو لوحدي فدائماً أجد نفسي أرسم.

هل ورثت الفن؟

ورثت الفن عن والدي الذي مارس فنا رائعا بعمل طاولات واكسسوارات من الحديد بأشكال جميلة جداً كهواية.. ومن ناحية والدتي فكل أخوالي تقريباً يرسمون، والدتي شجعتني كثيراً على الرسم، ودعمتني.. وهي فنانة ذات ذوق جميل في الرسم وتنسيق الورود في المزهرية بشكل رائع كما وانها مثقفة وانني لمحظوظة جدا بأهلي وما ورثته منهم.

لذلك انا لم أختر الفن بل هو الذي اختارني، وأشعر أنه يجري في عروقي، فهو في الجينات كما قلت، أورثته لأبنائي فابنتي ترسم وأعتقد أنها أفضل مني في الرسم، وهي تعلمه حيث درسته في أميركا وبدون مبالغة انها تصدمني كلما أرى لوحة من لوحاتها، علما انها لا تتبع أسلوبي أبداً، فلديها أسلوبها الخاص.

أما المدرسة لا انكر دور مديرتي الكبير لممارستي فن الرسم.. في الصف لم أكن أهتم كثيراً لدروسي، لكن مديرتي «الأخت» حلو كانت تدعمني عندما اكتشفت أن لدي هذه الموهبة، وشجعتني بطريقة غير مباشرة، عندما كانت تطلب مني رسم لوحة لحفلة التخريج، وتقول انها تريدها أن تكون باقة ورد لتكون هدية التخرج للأميرة راعية الحفل، لكنها كانت تتضايق أحياناً لأنني لم أكن أهتم كثيراً بدراستي كاهتمامي بالرسم. بعد ذلك قامت بتعليمنا الرسم الأستاذة هالة محار. كما علمني أستاذ سرياني اسمه أرمندو وبعد ذلك الأستاذ مهنا الدرة.

أولى اللوحات

كان ذلك عندما قمنا بعمل أول معرض في المركز الثقافي الفرنسي كنت حينها ما زلت عازبة، فأقوم برسم «سكتشات» وباكورة أعمالي التي اعتبرها مهمة قمت برسمها في معهد الفنون الجميلة وكانت لوحة طبيعة صامتة وقد ساعدني فيها الفنان مهنا الدرة الذي علمنا الرسم، وهي اللوحة التي ما زلت أعتز بها حتى الآن.

أيام لا تنسى

الكثير الكثير من الذكريات لدي، ودائما ما تمر أمامي وفي مخيلتي كشريط سينمائي: أصدقاء وأناس وفنانون مروا بحبقة الستينات فكانت رائعة بدقائقها وساعاتها وأيامها منها ما هو رائع ومنها ما يدمي القلب.. انها سنة الحياة.

في الذاكرة ما تزال أمانة العاصمة في وسط البلد، قرب المدرج الروماني.. وبجانبه فندق فيلادلفيا الذي طالما عز عليّ هدمه كآثار قديمة هيهات من يعرف لها قيمة.. في الذاكرة المعهد البريطاني، والمعهد الثقافي الفرنسي وجبل اللويبدة بكل ما تحمله اللويبدة من عراقة، فيا لروعة الحاووز بقربه من الأماكن والقاعات الناشطة في اقامة المعارض الفردية والجماعية.