أبواب - زياد عساف

«ممنوع دخول دون سن الثامنة عشرة»، تحذير بصيغة إعلان ملزم لأصحاب دورالسينما يلمحه الحضورعند مدخل الصالة كواحدة من الإجراءات المُتَّبَعَه في الماضي عندما كان للسينما جمهورها وعشاقها أيضا، ويتم تحديد العمر عادة من خلال هيئة وملامح كل شخص، أما قصار القامة والأقزام فتلك حكاية أُخرى إذ يطلب منهم إبراز الهوية الشخصية للتثبت من المعلومات لأنهم يبدون أصغر من عمرهم بكثير بطبيعة الحال.

وبعد أن يتخطوا هذا الحاجز تواجههم مشكلة أخرى إذ لا تستطيع هذه الفئة من الناس مشاهدة الفيلم على الأغلب فأي مشاهد عادي يجلس في الصف الذي يليهم سيحجب عنهم الرؤية ويحرمهم من متعة مشاهدة العرض بعد أن جمعوا ثمن التذكرة بشق الأنفس !.

حقوق إنسان..

ولكن هل انتهت إشكالية العلاقة بين قصار القامة والسينما العربية عند هذا الحد؟، الجواب كلا وعلى رأي المثل (إذا كنتوا نسيتوا اللي جرى.. هاتوا الدفاتر تنقرا)، ففي مخالفة واضحة لحقوق الإنسان في أدنى مستوياتها، وبهدف الربح فقط استغل المنتجون الظروف المعيشية القاسية التي يعيشها هؤلاء وحاجتهم لتأمين أدنى متطلبات الحياة، ومقابل أجور زهيدة قدموهم على الشاشة بطريقة ساخرة وبدور تهريجي دون مراعاة لمشاعرهم، ما ساهم بترسيخ هذه الرؤيا لدى كثيرين وأصبحت النظرة الدونية والاستخفاف بهم وكأنها من المسلمات، والطامة الكبرى أن هذه النظرة بات يقلدها الأطفال لدرجة تعديهم باللفظ والأيدي أحيانا كلما مر بقربهم أي من قصيري القامة أو ما تعارف على تسميتهم بالأقزام، و بحضور أهاليهم أحيانا دون أدنى توبيخ أوتوجيه نحو السلوك الصحيح.

عم شُبُكْ..

باستعادة عناوين أفلام السينما المصرية منذ نشأتها، ومن خلال كتاب (رسالة في السينما العربية) لمؤلفه الفنان جلال الشرقاوي يظهر جليا وعلى عكس مايشاع بأن أول فيلم قدم شخصية قصير القامة وبطريقة ساخرة هو (ابن حميدو) انتاج 1957، والحقيقة أن فيلم (العزيمة) لمخرجه كمال سليم كان قبل ذلك وعُرِضَ للمرة الأولى عام 1939، وأدى الدور الممثل علي طبنجات في شخصية (عم شُبُكْ)، وظهر ذلك في مشاهد عدة منها مشهد جلوسه في المقهى مع أهل الحي وتعرضه للتعليقات الساخرة من قبلهم متندرين بِقِصَرْ قامته، وفي مشهد المشاجرة نهاية الفيلم واستغلاله لضاّلة حجمه للإيقاع بالخصوم بطريقة تثيرضحكات الجمهور.

أما بفيلم ابن حميدو فلقد شارك القزم (عبد الدايم أحمد) لعدة دقائق بدور مساعد الباز افندي (توفيق الدقن)، ومهمته التجسس على حسن (احمد رمزي) وعزيزة (هند رستم) التي يطمح (الباز) بالزواج منها مع دخول حسن كمنافس له على الخط، ويعلق اسماعيل ياسين على القزم بالفيلم واصفاً إياه ب (تقاوي راجل) ساخرا من حجمه الضئيل لزيادة جرعة الضحك والتهريج رغم وجود نجوم الفكاهة بالفيلم والقادرين على القيام بهذه المهمة، بالإضافة ل (سمعه) والدقن مثل زينات صدقي وعبد الفتاح القصري، وبالتالي كان العمل بغنى عن تقديم القزم بصورة جاسوس في الوقت الذي كان من الممكن أن يقوم بدور الرجل الطيب والشهم والعاشق أيضاً.

مطاردة غرامية..

(مطاردة غرامية) فيلم من انتاج 1968 وبطولة كل من فؤاد المهندس وشويكار وهم أساتذة الكوميديا في المسرح والسينما العربية، ومع ذلك تم إضافة مشهد لرجل قصير القامة في عيادة طبيب نفسي (عبد المنعم مدبولي) يشكو للطبيب ضيقه وتبرمه من معايرة الناس له في الشارع على قِصَرِه، وكي يعالجه الطبيب وبطريقة بهلوانية يلقنه هذه الكلمات ملزماً إياه بترديدها بنية الشفاء (أنا مش قصير وقزعة.. أنا طويل واهبل !)، مضى على هذا العمل أكثر من خمسة عقود ولازال كثير من الناس يستعيدون المشهد على مواقع (اليوتيوب)، وبدافع الإستهزاء يرددون هذه العبارة على مسامع قصار القامة المتواجدين في محيطهم !، وهي بحد ذاتها إساءة أخرى تضاف لأخطاء وخطايا صُنَّاع السينما بحق هذه الشريحة الإجتماعية.

مخالفات..

«محمد عيد» ممثل مصري يعتبر من أقصر الرجال في العالم عرفه الجمهور من خلال حلقات الكاميرا الخفية » إديني عقلك »، و فيلم شارع الهرم وظرف صحي، وحظي بمساحة زمنية أكبر من خلال الظهور بشخصية (صابر) عبر أحداث فيلم (الرجل الأبيض المتوسط) انتاج عام 2001، ويصنف العمل ضمن الأفلام المسلية والتقليدية وسبق وتكرر هذا الموضوع بعشرات الأفلام.

الملفت للعيان بأنه لو تم حذف دور القزم من الفيلم لن يغيِّرْ من الأمر شيئاً، وكان من الممكن وكما سبق بأن يقوم أحمد اّدم بمهمة إضحاك المشاهدين للنهاية، وإنما هي الرؤيا الإنتاجية الربحية الضيقة أيضاً التي تعطي الضوء الأخضر بأن التهكم على هذه الفئة من عباد الله أمر اعتيادي وجائز رغم أنه مخالف للقيم الإنسانية والشرائع الدينية. ولاتنتهي سلسلة الأفلام التي ظهر بها أقزام للغاية ذاتها مثل: إبن ذوات 1953، الأزواج الشياطين 1977 وحكاية في كلمتين 1985.

شيكو ورمانة..

في أواسط الثمانينيات سجل التلفزيون الأردني فقرات غنائية لفنَّانين مصريين قصيري القامة وهما: شيكو وزوجته رمانة، وأجرى معهما الإعلامي محمود ابو عبيد لقاءاً مصوراً، وعن الصعوبة التي تواجهها هذه الفئة بتأمين ملابسها لندرة هذا النوع من القياسات وجه ابو عبيد السؤال لشيكو: من يُفَصِّل لك ملابسك؟، وأجابه بهدوء الواثق من نفسه: الترزي طبعاً !، استعيد هذه الحكاية بعد مشاهدتي مؤخرا لفيلم (الأقزام قادمون) إنتاج 1986، وكانت المفاجأة ظهور شيكو مع رمانة بدور رئيسي، فبرغم صغر ملابسه لِقِصَرْ قامته إلا أن أداءه بدا فضفاضا وسلساً.

منظور إنساني..

«الأقزام قادمون» يعتبر الفيلم العربي الوحيد الذي سلَّط الضوء ومن منظور إنساني على قضية الأقزام وقصار القامة وجاء كرد اعتبار لهم، وبرؤيا سينمائية أبدعها المخرج شريف عرفه في باكورة أعماله، والبطولة للفنان يحيى الفخراني بدور(شهاب) مخرج إعلانات أنجز بطريقة مبهرة إعلانا لصالة ديسكو، وليلة الافتتاح احترقت الصالة وكان عدد الضحايا كبيرا لأنهم تجاوزوا الطاقة الإستيعابية للصالة، أدى هذا الحادث بدخول شهاب في حالة إكتئاب والشعور بتأنيب الضمير معتبرا نفسه مشاركاً بهذه الجريمه، ويلجأ للإقامة بالشاليه الخاص به في الإسكندرية، وهناك يلتقي بشيكو الذي سبق واشترك معه في بعض الإعلانات ثم قرر الأخير أن يعمل بائعا على عربة جيلاتي، ومن خلال شيكو يتعرف شهاب على مجموعة كبيرة من الأقزام ويتبنى قضيتهم في استرجاع أرضهم التي استولى عليها رجل الأعمال رضوان بيه (جميل راتب) لتحويلها لمصنع همبورجر ترسيخا لثقافة الاستهلاك كدعوة للتماهي مع ثقافة الغرب.

مشاهد ودلالات..

تمثلت الرسالة التي أراد شريف عرفه إيصالها للمشاهد بإنصاف فئة الأقزام والذين قاربوا المئة ألف في مصر في العديد من المشاهد وبدلالات مؤثرة، ومنها مشهد شهاب وهو يتناول معهم الطعام ثم يشرب من إبريق الماء أو (القُلَّة) بشغف وكأنه يرتوي من العالم النقي الذي وجد نفسه به، ثم مشهد الرقصة التي أداها شهاب مع شيكو وجلوس الأخير على ركبتيه ليصبح مساويا لطول شيكو كناية عن المساواة بين الناس بغض النظر عن أشكالهم أو بينتهم الجسدية.

مشهد جميل اّخر لقزم يرسم شهاب وبملامح حزينة عندها شعر شهاب بأن الرسام قد اقترب منه كإنسان، وهذا مالم يجده عند زوجته أو من عملوا معه في مجال الإعلانات، وفي النهاية يكتشف أنه قد وجد نفسه بين هؤلاء ويؤكد ذلك عندما يوجه سؤال لشيكو: هو النهارده كام في التاريخ؟، فيجيبه: 16 يناير، ويكون رد شهاب: النهارده عيد ميلادي.. أنا تولدت من جديد!.

صابر أبو لبن..

الصورة غير المنصفة بإشراك الأقزام بالأفلام وبالصورة غير الحضارية ذاتها تكررت في بلاد عربية أخرى، ففي لبنان شارك القزم صابر أبو لبن بمجموعة أفلام بفترة الستينيات وأوائل السبعينيات بمجموعة أعمال وعلى نفس الشاكلة منها: بدوية في باريس، وادي الموت، الصبا والجمال، موعد مع الأمل، لهيب الجسد، القاهرون، لعبة الحظ وزمان ياحب.

ومن سوريا الفنان عبدالله حصوة وشارك بعدة أفلام مثل: فاتنة الصحراء وصيد الرجال، ومن سوريا أيضا شارك الفنان هشام قنوع بفيلم ساعي البريد.

سيرة فرحات..

استطاع بعض الفنانين قصار القامة التمرد على هذا الطرح باستغلال وضعهم الجسدي بهدف تسلية المشاهد وأثبتوا حضورهم في التمثيل مثل سعيد أبو بكر ودوره الرئيسي بفيلم (السبع أفندي) انتاج 1951. ولا بد من وقفة مع الفنان أحمد فرحات الذي ظهر مع عبد الحليم بفيلم (معبودة الجماهير) 1967 ووقدم دور طفل من سكان الحارة رغم أنه كان يبلغ من العمر وقتها سبعة عشر عاما إلا أن بنيته توحي بأنه طفل صغير، وأحبه الجمهور في مصر والبلاد العربية ولازال كثيرون يستمتعون باستعادة أفلامه مثل: مجرم في إجازة، شارع الحب، شمس لا تغيب، سلطان، كهرمان، إشاعة حب، غرام في السيرك، أنا وبناتي، نهر الحب، بين الأطلال، اسماعيل ياسين في السجن واّخر شقاوة.

طاقية الإخفاء..

واعتزل فرحات التمثيل في أواخر الستينييات ولفترة طويلة وتفرغ لعمله كمهندس اتصالات، وعمل بهذا التخصص في رئاسة الجمهورية فترة حكم الرئيس حسني مبارك، ويذكر في لقاء تلفزيوني حادثة طريفة حصلت معه عندما شاهده الرئيس مبارك في القصر الجمهوري ووبخ المسؤول مذكرا إياه بأنه أوصى بعدم إحضار الموظفين لأطفالهم أثناء العمل، وأوضحوا له بأنه مهندس الإتصالات أحمد فرحات، وعقب مبارك على ذلك: مش دا بتاع طاقية الإخفاء !، وهو الفيلم الشهير (سر طاقية الإخفاء) الذي شارك به فرحات مع عبد المنعم ابراهيم عام 1959، وتحدث فرحات بمرارة بأنه طُلِبَ للتمثيل بأحد الأفلام قبل سنوات ليس لتاريخه الفني، ولكن لأن المخرج احتاج لممثل قصير القامة !.

تَمَرُدْ..

ومن النماذج المشرقة التي تؤكد بأن الطول ليس المقياس الوحيد لنجاح الممثل وجود مجموعة فنانين من قصار القامة تمردوا على هذا الواقع وحققوا حضورا مبهرا بهذا المجال مثل الفنان ابراهيم سعفان، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة التي كان طولها يتجاوز المترونصف بسنتيمترات قليلة ومن خلال أعمالها أثارت العديد من القضايا التي تمس المرأة والمجتمع عامة وهذا ما ينطبق على سندريلا الشاشة سعاد حسني وما أنجزته على الصعيد الدرامي والإستعراضي، ويجدر التنويه أن قِصَرها قد خدمها بفيلم (صغيرة على الحب) عندما انتحلت شخصية طفلة فكان أداؤها مقنعا بهذه الحالة وكان واحداً من أجمل أدوارها على الشاشة، ولنا في مشوار عبد الحليم حافظ خير دليل فلقد كان قصير القامة ونحيل الجسد وعندما تم تعيينه مدرسا للموسيقى في مدرسة البنات في طنطا قوبل بالسخرية والإستخفاف، ومع الأيام أثبت جدراته في التمثيل مع نجاحه كمطرب، ولا زال في المقدمة رغم وفاته منذ أكثر من أربعين عاما، ومؤخرا ظهر بعض الممثلين الذين لم يتوقفوا عند قصر القامة وتصدروا بطولة أفلام وحصدوا جوائز في المهرجانات أمثال محمد هنيدي واحمد حلمي.

ترمب أيضاً..

يبدو أن الإستخفاف والتهكم بمن خلقوا على هذه الشاكلة لم ينحصر بالأعمال السينمائية، بل انتقلت العدوى لمن يعمل بهذه المهنة من الممثلين، واعتدنا أن نسمع وعلى لسان بعض المشهورين منهم بإطلاق وصف (أقزام) على زملاء لهم في المهنة كنوع من الإستخفاف بقدراتهم، وهذا ما يتكرر بين المطربين والموسيقيين وفي الأوساط الأدبية والسياسية، ولم تخل السياسة العالمية من ذلك إذ لم يجد الرئيس ترمب وسيلة للإنتقاص من خصومه المنافسين له في الإنتخابات الأميركية سوى التهكم على قِصَرْ قامتهم باعتباره من الرؤساء طوال القامة في الولايات المتحدة !.

حكاية غالب..

وقبل أميركا ورئيسها لم تخل أمثالنا الشعبية والتي تعكس ثقافة شريحة كبيرة بهذا النمط السلبي من التفكير، محذرة من مكر وعدوانية قصار القامة مثل: كل قصير لا يخلو من الخبث، كل قصير مكير، إحذروا كل من اقترب من الأرض، وأمثال شعبية تتنبأ بخيبتهم وقبل أن يأتوا على هذه الحياة مثل: الطول هيبة والقُصُرْ خيبة، وهذا ما يعيدني للحارة وذكرياتها وحكاية (غالب) المفتون بطول قامته وأحد المتأثرين سلبياً بهذه النوعية من الأفلام التي سبق ذكرها، وكان كلما مر أمامه أي شخص أقصر منه يردد وعلى طريقته عبارته الشهيرة بزهو وغرور: (بيني وبينكم..القُصُرْ فضيحة !).