ليست المرّة الأولى التي يحدث فيها تجاوز عنصري بغيض في الولايات المتحدة ضد الأفارقة السود، فقد حدث ذلك في مدينة لوس أنجلوس في تسعينيات القرن الماضي ومرّات أخرى في ولايات أخرى ولكن كانت هذه الحوادث تنتهي بالاحتجاجات ضمن نطاق المدينة التي وقع بها الحادث وباحتجاجات بولايات أخرى تعالَج داخلياً ولكنّها تترك أثراً عميقاً على معنويّات شرطة المدينة.

لكن حادث خنق جورج فلويد في مدينة مينابلوس أثار أميركا الفيدرالية، وانتفضت الجماهير بشراسة في معظم مدن أميركا ما أدّى إلى استخدام قوّات الحرس الوطني، ولم يتمكن الرئيس من استخدام الجيش وظهرَت ميّزات الدولة الفيدرالية، حيث أن حكام الولايات لم يكونوا بأمر الرئيس وكانت مفاجأة كبيرة للكثيرين كيف أن حكام الولايات تمردوا على أوامر الرئيس وثبت أن صلاحيات الرئيس محدودة وليست مطلقة ومحددة بالدستور الفيدرالي وشاهدنا كيف أن رئيس شرطة بوستن تحدى الرئيس وقال: «إما ان تقول كلاما حسنا أو تصمت».

إنّ الاحتجاجات داخل الولايات المتحدة على حادثة خنق فلويد في ظاهرها ضد العنصرية التي عانى منها ذوو البشرة السمراء في أميركا ولكن في باطنها هي انتفاضة الطبقة الوسطى في أميركا ضد جشع الطبقة الرأسمالية الحاكمة.

إن الطبقة الوسطى في أي دولة هي ركيزة الدولة، وجسم الدولة وقوتها، ينتمي لها قطاع الموظفين والجيش والشرطة والمعلمين والأطباء، وهم دافعو الضرائب وجمهور المستهلكين لبضاعة الشركات الرأسمالية، هذه الطبقة في أميركا وفي كل دول النظام الرأسمالي أرهقتها تكاليف العيش مثل الصحة، المدارس، الجامعات، الضرائب، السكن.. الخ، وفي نهاية العام حصيلة الراتب الذي يتقاضاه الفرد من هذه الطبقة صفر أو أقل.

إنّ الجريمة أو المخالفة التي ارتكبها جورج فلويد والتي أدّت الى مقتله بوحشية على يد رجال الشرطة ما هي إلا علامة من علامات تغوّل النظام الرأسمالي وإرهاق الطبقتين الوسطى و الفقيرة الذي أدَّى بدوره إلى تراجع مستوى التعليم وارتفاع معدّل الجريمة ناهيك عن انحسار الطبقة الوسطى وتلاشيها.

كما وأثبتت الطبقة الرأسمالية الحاكمة في أميركا وأوروبا فشلها في معالجة جائحة كورونا، وشاهدنا كيف أن قرار الحكومات بأمر هذه الطبقة وليس بأمر الدولة، هذه الطبقة الرأسمالية أرهقت الطبقة الوسطى ودمرت الطبقة الفقيرة، رغم انه كان يجب عليهم المحافظة على هذا المجتمع لأنهم هم جمهور المستهلكين الذي به يزداد نمو وأرباح الطبقة الرأسمالية ولا مجال لهم إلا بنمو هذه الطبقة المتزنة والتي دائما وابدا ولاؤها لتراب وأرض الوطن، أنها تمثل الوطن وازدهارها من ازدهاره، بينما الرأسمالي ولاؤه لموقعٍ ما في وطنٍ ما حيث تزدهر مصالحه و أرباحه.