عمّان - حنين الجعفري



بات كابوس البطالة ضمن أكثر الآثار السلبية التي انعكست على الجسم الاقتصادي بسبب جائحة كورونا. ولعل فيروس البطالة كان أقوى وأخطر من فيروس كورونا فهو تفشى تماما ككورونا وحتى ان تعافي المجتمعات منه قد يطول أكثر من الجائحة نفسها.

هذا الملف طاول معظم دول العالم؛ إذ فقدت أعداد كبيرة من العاملين وظائفهم لينضموا إلى قائمة العاطلين عن العمل في ظل شلل اقتصادي وظروف صعبة قد لا توفر لهم وظائف أخرى في المستقبل القريب لتصل إلى المستقبل البعيد.

وأكدت دائرة الإحصاءات العامة، في تقرير أصدرته، ارتفاع معدل البطالة خلال الربع الأول من العام الحالي. إذ أوضح أنه وصل (19.3%) بارتفاع مقداره 0.3 نقطة مئوية عن الربع الأول من عام 2019.

وأوضح التقرير أن معدل البطالة للذكور خلال الربع الأول من العام الحالي (18.1%) مقابل (24.4%) للإناث، وأنّ معدل البطالة قد ارتفع للذكور بمقدار1.7 نقطة مئوية وانخفض للإناث بمقدار4.5 نقطة مئوية مقارنة بالربع الأول من عام 2019.

كما بين التقرير أن أعلى معدل للبطالة سجل في الفئتين العمريتين 15-19 سنة 20-24 سنة، حيث بلغ المعدل 48.3% و39.7% لكل منهما على التوالي.

خبراء ومعنيون توقعوا ان ترتفع نسبة البطالة لتصل (22-23%) متمنين ان لا تقفز هذا الحاجز.

مخاوف

ويتخوف شاب، طلب عدم نشر اسمه، من استغناء عمله عن خدماته فقال لقد استغنى مكان العمل الذي اقوم فيه على عدد من العاملين بسبب الاضرار التي لحقت به من جائحة كورونا.

وهو يقول أنه لا يستطيع القيام بعمله بأكمل وجه بسبب «الخوف الذي ينتابني بسبب التفكير المتواصل بأنه من الممكن الاستغناء عني في أي وقت كبقية الزملاء».

وتوضح الشابة «سماح محمد»، العاطلة عن العمل قبل الجائحة، أنها كانت تأمل أن تجد فرصة عمل هذا العام، فجاءت الجائحة لتحطم أحلامها، ولاحظت أن الاستغناء عن الموظفين يعني بالمقابل «إيقاف التعيينات في المستقبل القريب الذي قد يمتد إلى المستقبل البعيد».

صعوبة العودة للسابق

ويؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الأمر لا يقف عند فقدان العديد وظائفهم، بل يجاوزه إلى «عدم قدرتهم على التعامل مع النتائج التي أفرزتها الجائحة بالسوق، ويرى أنهم يحتاجون دعما أكبر من أجل تعويم أنشطتهم أو العودة ولو بشكل جزئي إلى مستوى النشاط السابق.

وينبه إلى أن العودة إلى الحالة الطبيعية السابقة للجائحة أمر «لا يمكن أن يحدث»، بل إن العودة الطبيعية ستكون «بتوازنات جديدة ينتج عنها خروج مزيد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من السوق وتعثر بعضها ونشوء غيرها.. فنحن نتحدث عن شكل جديد من التوازن تحكمه العودة الطبيعية للأنشطة».

وهو يؤكد وجود ضحايا لهذه العودة والتوازنات الجديدة، وهؤلاء «هم الذين سيتحولون إلى أرقام في تعداد البطالة في الأردن والذين سيتأثرون مباشرة بالجائحة».

وفيما يقر عايش بأن بمسؤولية الحكومة هي المسؤولة هنا، لأنها اتخذت إجراءات الإغلاق، غير أنه يستدرك بالقول: «لا يمكن لنا أن نحملها هذا الوزر؛ لأنها كانت تحاول أن تحمي المجتمع من تداعيات الجائحة» لكنه يؤكد أننا «اندفعنا باتخاذ الاجراءات الوقائية.. ولم يكن لدينا في الوقت ذاته خطة خروج ومواجهة للنتائج المترتبة على هذه الإجراءات.

لذلك «فقد كان أسهل علينا مواجهة كورونا من مواجهة النتائج التي ترتبت اقتصاديا واجتماعيا».

ويلفت إلى أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة «تبين من خلال التجربة الواقعية والعملية أن كثيرا من هذه المؤسسات لا تستطيع مواجهة أي هزات يتأثر بها الاقتصاد.. وبالتالي رفع قسم منها راية الاستسلام بينما يعمل قسم ثانٍ على تخفيض الرواتب والآجور، ويفكر قسم ثالث بتسريح العمالة والقسم الأخير يحاول بفرص الاستمرار من عدمه.

التفكير خارج الصندوق

ويؤكد عايش المخاوف من ارتفاع معدلات البطالة. وينبه إلى أهمية أن نعي أن القدرة على التكيف والتعايش مع كورونا تستدعي وجود وسائل وسياسات وبرامج ونموذج اقتصادي مختلف «أكثر انتاجية والتصاقا بمتطلبات الاقتصاد الحقيقي.. ونعني به الاقتصاد الصناعي والزراعي وما هو في حكمه، وأن يكون الاقتصاد أكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا وأن يكون مرنا ورشيقا.

ويرى عايش أن الحلول لهذه الأزمة تكون اقتصادية واجتماعية وسياسية، وبنموذج اقتصادي جديد أكثر ارتكازا إلى متطلبات الاقتصاد الحقيقي وأكثر مرونة في التعامل مع مشاريع مبتكرة وصغيرة وريادية.

وكذلك التركيز على قطاعات اقتصادية في المواد الطبية والغذائية والتكنولوجيا وقنوات التوصيل الالكتروني والتجارة الالكترونية ليتعامل مع متطلبات متغيرة باستمرار وتفرض أشكالا جديدة من التعامل الاقتصادي والاجتماعي.

وأيضا لئلا يكون القطاع الخاص الذي يحاول بالتقليل من أعبائه والكلف والخسائر التي تحملها بتقليل العمالة لديه وبالتالي ارتفاع نسب البطالة.

ولاحظ أن الحكومة كذلك تريد تخفيف العبء الكبير للموظفين الذي تبين أنها ليست بحاجة إليهم وليست بحاجة إلى أعداد فائضة من الموظفين في معظم القطاع العام.

محدودية الحماية الاجتماعية

ويلفت عايش إلى أن هناك «محدودية في القدرة على القيام بالحماية الاجتماعية»؛ وبذلك ستنعكس هذه المحدودية على «نتائج سلبية» ستظهر لاحقا على شكل «فقر وبطالة وإضرابات مجتمعية».

وهو يدعو للتفكير بطريقة جديدة للتعامل مع متطلبات المجتمع الاقتصادية والاجتماعية ومتطلبات الشباب، ومع الكيفية التي ندير بها حياتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لضمان «خروج آمن» من الأزمة ولو بالحد الأدنى من الفاعلية.

ويشدد على أن «الوقت حان للتفكير باقتصاد التباعد الجسدي واقتصاد ما بعد كورونا». وهوتفكير يفترض أن يحتل الأولوية لدى الحكومة، وعلى المستوى الوطني والاجتماعي، والأهم: على مستوى تفكير الشباب.

الخبير الشبابي الدكتور محمود السرحان يؤكد أن أبرز التحديات الاقتصادية التي رافقت جائحة كورونا تتمثل «بازدياد مشكلتي الفقر والبطالة بشكل غير مسبوق» تمظهر بفقدان عشرات الآلاف من الوظائف في القطاع الخاص بفعل الاجراءات المتخذة لمواجهة الجائحة.

ويرى السرحان أن المسؤولية هنا تقع على عاتق «إدارة الأزمة منذ البداية وتداخل الأولويات وتضاربها لدى بعض الجهات».

ويشرح بالقول: «فكما أن الصحة أولوية ومهمة ولا مجال لتجاهلها؛ فإن الاستمرار في العمل للبقاء والاستمرارية أولوية مهمة لا مجال لتجاوزها أو القفز عنها».

ولاحظ أن هناك جملة من العبر والدروس المستفادة من هذه الأزمة وكيفية إدارتها وتجاوز شدتها وذروتها بأقل الخسائر.

ويرى أن «المقاربة والشمولية» في التعامل مع الأزمة هي «الأنسب والأنجح».. لتعظيم نقاط القوة وزيادتها والتقليل ما أمكن من نقاط الضعف واستثمار الفرص المتاحة وتحويل المحنة إلى فرصة للانطلاق والاستعداد بكل وعي واقتدار للتحديات والتهديدات المرافقة للجائحة.

لذلك، يشدد السرحان أنه لا مجال للعمل في قطاع دون الآخر، بل «نحن بحاجة للعمل في جميع القطاعات» مع الأخذ بالاعتبار كافة التدابير والاجراءات الاحترازية التي تضمن سلامة الوطن والمواطن.

ويؤشر إلى أن «المقاربة الأحادية» في التعامل مع الأزمة «فاقمت مشكلة البطالة بشكل كبير».. فمن جهة «توقفت جميع التعينات أثناء الأزمة وبعدها، وفقد عشرات الألاف وظائفهم في القطاع الخاص».

وهذا من شأنه أن يزيد من معدلات البطالة وبالتالي «معاناة الشباب العاطلين عن العمل وبالتالي معاناة أسرهم والمجتمع وما يرافقها من مشكلات ذات صلة بالتأثيرات السلبية» لمشكلة البطالة على الجميع افرادا وجماعات ومجتمعا.

ومع قناعته بأنه ليس ثمة وصفة سحرية جاهزة، إلا أن اللجوء إلى جملة من «الإجراءات والتدابير الاحترازية من قبل الجميع والاعتماد على الذات وتطوير تجربة العمل من المنازل وتقديم الدعم والمنح والقروض الميسرة للفئات الأكثر تضررا كالمشاريع الصغيرة والمتوسطة والأفراد من شأنه أن يخفف الاعباء والمعاناه عن القطاعات الأكثر تضررا.