هل نجحت تجربة التعليم عن بعد؟ في نظر المتحمسين لهذه التجربة فإن ما تحقق كان نجاحاً باهراً، ومن الصعب اقناعهم بغير ذلك، والعكس صحيح بالنسبة لغير المقتنعين بجدوى التعليم الإلكتروني، وكلا الجانبين يمتلك وجهات نظر منطقية، وكلاهما بحاجة لتبني وجهات نظر واقعية ﻷن موضوع الجدال القائم يتعلق بأهم مكونات الثروة الوطنية في الأردن، أي الأجيال القادمة.

بنظرة سريعة لما كتبه المختصون في مجال التعليم نلاحظ أن الفئات اﻷقل حظاً في التعليم النظامي بقيت كذلك في التعليم الإلكتروني، ﻷنها تعيش في مناطق تفتقد للبنية التحتية المناسبة لشبكات الإنترنت السريعة، بالإضافة إلى تكلفة الوصول إلى الشبكة، وقبل ذلك توفر الأجهزة اللوحية، وبما يجعل التعليم عن بعد يخسر في جولة مبكرة نتيجة فشله في توفير أرضية متساوية للجميع، ولذلك لا يمكن القياس على نجاح الجانب المشرق من الصورة بينما العتمة تغطي مساحة واسعة منها.

هل ننوي الاستمرار في هذه التجربة؟ ربما تبدو الإجابة غير ممكنة دون أن ينعقد مؤتمر وطني واسع حول مستقبل التعليم في اﻷردن يناقش التعليم في المستقبل، والمتطلبات والشروط اﻷساسية التي يمكن أن ينتقل لها جزء من التعليم للفضاء الإلكتروني، مع ضرورة الإشارة إلى أن العديد من الدول المتقدمة التي تتكبد تكلفة طائلة في مجال التعليم خلصت إلى أن التجربة لم تكن مواتية للصفوف التأسيسية ﻷن التعليم هو تجربة اجتماعية في اﻷساس، فجزء من شخصية الطفل يتشكل من خلال التفاعل، وجانب كبير من صياغة وجدانه الوطني والإنساني مرتبط بالقيم التي يتحصل عليها من خلال التفاعل والتجربة والخطأ في مرحلة مبكرة من العمر.

يحفل اﻷردن بخبرات تعليمية ثرية يمكنها أن تقيم التجربة بدلاً من المراوحة في الاستعراض الإعلامي والإصرار على تسويق التجربة بوصفها نجاحاً حكومياً، فالنجاح الحقيقي الذي على الحكومة أن تكتفي بالدفع به هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من العام الدراسي، أما ما يتجاوز ذلك من مزاعم فهو أمر يثير تخوفات أولياء الأمور أن يكون ما تحقق هو غاية الطلب، فالتجربة كانت متواضعة في محصلتها النهائية، والانتقال إلى التعليم عن بعد يجب أن يكون من خلال استراتيجية وطنية تقرأ عالم المستقبل وتحاول أن تكسب قليلاً من الوقت لتتقدم المنافسين الإقليميين الذين يتفوقون في كل الإمكانيات المادية استثناء العامل البشري، حيث ما زالت اﻷردن من الدول المصدرة بكثافة للمعلمين في مختلف المجالات والمستويات التعليمية.

الفرصة أمامنا نعم، ولكن الفرصة غير الناضجة يمكن أن تتحول إلى ورطة في ظل واقع جديد يشكل معالم المستقبل غير البعيد.