د. مروان الزعبي

لقد علمتنا ازمة كورونا دروسا كثيرة لانها احدثت كسادا لم نراه منذ الكساد العظيم في عام 1929 حيث يشير احدث تقرير لصندوق النقد الدولي، الصادر في نيسان 2020 تحت عنوان «تقرير الاستقرار المالي الدولي» الى توقع انكماش الاقتصاد العالمي بنحو 3% في عام 2020 بعد ان كانت التوقعات بالنمو بما نسبته 3.3%. وتراجع الاقتصاد الاميركي خلال عام 2020 بما نسبته 5.9% وبلوغ عدد العاطلين عن العمل 40 مليون شخص وتراجع اقتصاد منطقة اليورو بما نسبته 7.5% ويتركز هذا التراجع في ايطاليا (-9.1%) وفي فرنسا (-8%) اما في الصين، فمن المتوقع نمو اقتصادها بما نسبته 1.2% في عام 2020. يضاف الى ذلك، ان منظمة التجارة العالمية تتوقع تراجع التجارة الدولية بما نسبته 13%-%32. اما على المستوى المالي الدولي، فلقد بلغ الانفاق على اجراءات المالية العامة 8 ترليون دولار وعلى اجراءات البنوك المركزية 4 ترليون دولار، وكل ذلك تم خلال شهرين فقط! ويلاحظ ان التراجع في الاسواق المالية الدولية لم يكن بنفس مستوى تراجع النمو الاقتصادي مما اثار العديد من التساؤلات فمن المعروف ان الاسواق المالية تعتبر بمثابة المراة للاقتصاد لكن الاموال الهائلة التي تم ضخها هي التى دعمت هذه الاسواق والمؤسسات المالية تحت مبدء رعاية الطفل المدلل.

وعلى الرغم من ذلك، يشير التقرير الى ان البنوك غير محصنة وسوف تعاني لعدة سنوات قادمة وربط الحل بمتانة رأس المال حيث اوصى بوقف توزيع الارباح واعادة شراء البنوك لاسهمها. هذه التوصيات ليست سرا ولا تعتبر انجازا للصندوق فهي معروفة والعديد من الدول طبقت ذلك و منها الاردن. وبنفس الوقت، فالبنوك لا يعنيها هذا الامر كثيرا طالما هي تتلقى الراعية من البنوك المركزية والحكومات، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه لماذا يتذكر الصندوق هكذا اجراء فقط في وقت الازمات؟ ولماذا لا تستعد البنوك خلال الفترات الطبيعية للازمات وترفع رؤوس اموالها؟ والاجابة واضحة لانها تتلقى الرعاية الدائمة من المقرض الاخير وكلما زادت هذه الرعاية، كلما انخفض الحافز لديها لرفع رؤوس اموالها وهو ما يسمى بالخطر المعنوي! والبنوك تعلم ايضا ان اموال الموعين اقل كلفة بكثير من اموال المالكين. في بريطانيا على سبيل المثال، شجع البنك اوف انجلند البنوك على عدم توزيع الارباح وعدم اعادة شراء البنوك لاسهمها وفي البرازيل منعت الحكومة البنوك من ذلك، اما في اميركا يقوم البنك المركزي بعمل اختبارات تحمل الضغوط Stress Testing قبل ان يتخذ اي قرار بهذا الشأن.

ان معيار بازل لكفاية رأس المال يعتبر اهم وأخطر معيار مصرفي على الاطلاق لكنه فشل في تحصين البنوك من الازمات على الرغم من مرور اكثر من 30 عاما على اول معيار، بازل 1، وخلال هذه المرحلة تم تطويره الى بازل 2 و3 و 4 لكنه بقي عاجزا عن تقديم قيمة مضافة. ويعود السبب الرئيسي لهذا الفشل الى ان الحد الادنى المطلوب لرأس المال يبلغ ما بين 8%-12% من الاصول المرجحة وهذه نسبة منخفضة ومضحكة لانها كرست اعتماد البنوك على اموال المودعين وهو خطأ استراتيجي ارتكبه هذا المعيار. فمن المعروف ان درجة الامان في البنوك تعتمد على عدة امور اهمها سياسات البنك الداخلية ورقابة البنك المركزي بالاضافة الى كفاية رأس المال. وعلى الرغم من ذلك، لا تعير البنوك اهمية لرأس المال.

لقد قدم صندوق النقد الدولي دليلا قاطعا على فشل هذا المعيار دون ان يقصد، لانه اضطر ان يدعو البنوك الى عدم توزيع الارباح واعادة شراء البنوك لاسهمها وذلك لوجود قناعة تامة لديه بان رؤوس الاموال المتوفرة حاليا ليست كافية لتحميها من الازمات. ان البنوك في كافة انحاء العالم تعتمد بشكل رئيس على هامش الفائدة لجني الارباح والذي بدوره يعتمد على ميل منحنى العائد الذي انخفض كثيرا في معظم دول العالم وهذا يعطي اشارة واضحة بأن ارباح البنوك ستنخفض وان هناك خطر قادم، وان العديد منها سيتعرض الى خسائر. لقد بلغت توزيعات الارباح لاكبر 30 بنكا في العالم ما مقداره 250 مليار دولار في عام 2019 وهو مبلغ ضخم، واذا ما تم اضافته الى رؤوس اموال البنوك، فسوف يعزز مراكزها المالية ويرفع من قدرتها على الصمود. وعلى الرغم من ذلك، فيعتبر هذا الاجراء بمثاية عقاب لمالكي البنوك لانه سيحرمهم من هذه التوزيعات ناهيك ان كورونا لم يكن من اختراع البنوك ولكنه خطأ لجنة بازل واجهزة الرقابة حول العالم فكفاية رأس المال يجب ان لا تتوقف عند 12% وانما يجب ان تتعدى 20% لتصل الى 25% او 30% لان هذه هي الضمانة الوحيدة لها ولاجهزة الرقابة، فسلامة البنوك واستمراريتها اهم من الربحية، ومع ذلك ستبقى ربحانة؟

ان البنوك هي المؤسسات الوحيدة التي تثير حساسية كبيرة لدى اجهزة الرقابة والحكومات في كل دول العالم لان فشلها وخروجها يحمل الحكومات اعباء تفوق طاقتها وتجد نفسها في موقف المدافع عنها لان اموال المودعين تحت رحمتها. ما هو مطلوب اليوم هو اعادة النظر من لجنة بازل لهذا المعيار وكذلك لاجهزة الرقابة اينما كانت لرفع مستوى كفاية راس المال وهذا الامر ليس له حدود فاي دولة لها الحرية في عمل ذلك. صحيح ان كلفة رأس المال مرتفعة، وسوف تنعكس على هامش الفائدة، لكن الامان اهم من اعتبارات الكلفة والربحية ومع ذلك يجب ان يكون لاجهزة الرقابة دورا رئيسيا في الضغط عليها لابقاء الهامش في حدود معقولة.

ان الاتجاهات الحديثة تفرض على البنوك الكبيرة ان تحتفظ بمستويات اعلى من رأس المال لان هذه البنوك ان فشلت، فسوف يكون لذلك اثار سلبية كبيرة على مستوى الاقتصاد الكلي. وبسبب ارتباط البنوك ببعضها البعض وتشابك اعمالها، فسوف يؤدي اي فشل الى جر بنوك اخرى! وهذا ما يسمى باثر العدوى Contagious Effect. ناهيك عن ان البنوك الكبيرة هي الاكثر استفادة من الرعاية، فليس سرا ان اجهزة الرقابة في كل العالم تحرص على سلامة البنوك الكبيرة اكثر بكثير من البنوك الصغيرة لهذه الاسباب.

واخيرا، ماذا نتعلم من هذه التجربة؟ من الواضح ان الجوانب الصحية والانسانية يجب ان تطغى على كل اعتبارلذلك علينا ان نحصن انفسنا قبل كل الاعتبارات الاخرى. وبالنظر الى الاعتبارات الاقتصادية، فلقد علمتنا هذه التجربة ان الاعتماد على الذات ليس خيارا لا بل امرا حتميا وهذا يعني ضرورة العودة الانتاج وخاصة الزراعي منه. اما في المجال المالي والمصرفي، فلقد اكدت التجربة ان البنوك عبارة عن كيانات عملاقة لكنها مهزوزة من الداخل لان رؤوس اموالها منخفضة مقارنة بحجم اعمالها. من الواضح ان البنوك لا ترغب ولا تريد ان ترفع رؤوس اموالها الا اذا اجبرت على ذلك متذرعة بارتفاع كلفتها لكن السبب الاخر المخفي هو هو انها لا تريد ان تخضع لرقابة اكبر لان زيادة راس المال تعني بالضرورة زيادة الرقابة والانضباط.

ما من شك في ان معيار بازل يعتبر اهم معيار مصرفي للرقابة المالية على مستوى العالم لكنه فشل في تحقيق الامان للاجهزة المصرفية والدليل ازمة عام 2008 وازمة كورونا الحالية، ودون ان يقصد صندوق النقد الدولي، فلقد قدم لنا دليلا على فشل هذا المعيار بدعوته البنوك الى عدم توزيع الارباح وعدم اعادة شراء البنوك لاسهمها. لا يمكن لعاقل ان يعتقد انه يمكن الخلاص من الازمات المالية على انه يكمن التقليل من اثارها، ومن اهم الوسائل رفع متطلبات كفاية راس المال الى ما لا يقل عن 25%! كما ان اجهزة الرقابة مدعوة اليوم الى الى اعادة النظر بمتطلبات رأس المال لان فشل البنوك مربك ومكلف وله اثار اقتصادية ليس لها حدود.

m.alzoubi@zuj.edu.jo