بقلم: أ.د. جودت أحمد المساعيد

خبير المناهج وطرق التدريس

profjawdat@yahoo.com

توجد مجموعة من الأسس التي ينبغي أخذها في الحسبان عند تدريس الطلبة الموهوبين، والتي يتمثل أهمها في تحديد المهارات والمعارف والنواتج التعلمية المطلوبة، والاستفسار عن المفاهيم والأفكار والقضايا التي ينبغي عليهم معرفتها، مما يستدعي استخدام معايير وطنية متفق عليها لتحديدها. ومع ذلك، فإنه لا بد من التعمق في مختلف ميادين المعرفة المدرسية مثل التركيز على الديمقراطية وحقوق الإنسان في الدراسات الاجتماعية، وعلى نظرية النشوء والارتقاء في العلوم، وعلى التحويلات والتفاضل والتكامل في الرياضيات، وعلى الكرامة الشخصية والقيم في الأدب، وعلى شغب الملاعب في التربية الرياضية، وعلى قيمة العمل في التربية الحرفية، على أن يتم تدريس هذه المفاهيم الصعبة للطلبة الموهوبين من خلال أساليب تدريس متنوعة تثير مهارات التفكير العليا لديهم، وباستخدام وسائل تعليمية متطورة.

وما أن يتم تحديد المفاهيم المهمة، حتى يصبح من الضروري على المعلم القيام بعرضها على الطلبة الموهوبين بأفضل الطرق والوسائل، مع تنظيم المنهج المدرسي لهؤلاء الطلبة حول قضايا وأفكار مهمة. وإذا ما تم الاتفاق بين المعلمين على تدريس الموضوعات والأفكار الرئيسة كنمطٍ تعليمي ناجح، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أين جاءت هذه الأفكار أو القضايا التي سيتم بتدريسها بالتعاون مع الموهوبين والمتفوقين؟ كما يقترح بعض المهتمين بعالم الموهبة والتفوق، بأنه يمكن تحديد هذه الموضوعات من خلال المناقشات الفاعلة مع المجموعات المختلفة من المدرسة وأبناء المجتمع المحلي، والمؤلفة من المعلمين والخبراء ورجال الأعمال وقادة المجتمع وأولياء الأمور والمثقفين والطلبة.

وما أن يتم تحديد الأفكار والمفاهيم الرئيسة، حتى يصبح من السهل الحصول على الاعترافٍ بما يسمى بالمنهج التجديدي، الذي يشجع على مشاركة أبناء المجتمع المحلي. ومن الأمثلة على هذه المفاهيم: التغيرات التي تحدث في الزمان والمكان، والنهضة العلمية والثقافية والعمرانية التي تمت في الماضي والحاضر، والتعاون مع الثقافات والأمم والشعوب الأخرى، لأن أقطار العالم تؤثر في بعضها بعضاً. ومع ذلك، يفضل المعلمون تنظيم المنهج المدرسي حول الأسئلة مفتوحة النهاية، التي يجيب عنها الموهوبون قبيل الانتهاء من الوحدة الدراسية. وقد اقترحت بعض المناطق التعليمية برنامجاً للأدب واللغة يتم تدريسه من خلال الفنون المتنوعة، وكل وحدة من هذا البرنامج يبدأ بسؤال يمثل مجال الفاعلية لعمل الطالب الموهوب مثل: ما معنى الجمال؟ وما الذي يحدد معاييره؟ وما الذي يمكن للماضي أن يخبرنا عن الحاضر؟ وكيف يمكن للأدب أن يعكس الثقافة؟ ولماذا يكتب المؤلفون ما يرغبون بكتابته؟.

وبالتعامل مع مثل هذه الأسئلة مفتوحة النهاية، فإن الطلبة لا يكتسبون المهارات الأساسية فحسب، بل ويتعمقون أيضاً في الفهم عن طريق إنتاج أفضل الإجابات والدفاع عنها باعتبارها أكثرها ملاءمةً للأسئلة المطروحة والمثيرة للتفكير، وما أن يحدد المعلمون المفاهيم الأساسية وكيفية عرضها على الطلبة، فإن هناك حاجة إلى خارطة طريق تستخدم كدليل للرحلة التعليمية التعلمية.

وهنا يصبح تحديد المحطة النهائية ضرورياً كأول خطوة في هذا المجال، والذي يتم عن طريق تحديد ما ينبغي على الطلبة أن يعرفوه أو لديهم القدرة على القيام به كنتيجة لدراساتهم وأنشطتهم، وذلك قبل البدء بالوحدة الدراسية. وما أن تتضح النواتج، حتى تصبح عملية التتابع للأمور التعلمية التعليمية شيئاً أساسياً. وهنا يتم طرح الأسئلة المهمة الآتية: ما الذي ينبغي أن يفعله الطلبة حينئذٍ؟ وما المحتوى أو المعايير المطلوب تدريسها للطلبة الموهوبين؟ وما نظريات الذكاء التي يمكن أن تستخدم كنقاطٍ تمهيديةٍ للمحتوى المناسب، وللتعامل مع هذا المحتوى بطرق التدريس الملائمة، ولتوظيف المعلومات والمعارف التي يشتمل عليها ذلك المحتوى في مواقف تعلمية متنوعة؟ وكيف يمكن لهذه الخبرات أن تساعد الطلبة في الوصول إلى الأهداف التعلمية المنشودة؟

وبالإضافة إلى التدريس المباشر من المعلم، فإنه يمكن للطلبة الموهوبين والمتفوقين أن يستفيدوا من مختلف جوانب المنهج المدرسي المطبق داخل الحجرة الدراسية. فإذا كان أحد أهداف التربية للطلبة من رياض الأطفال وحتى الثانوية العامة يتمثل في تنشئة المتعلمين وتربيتهم لحياة فاعلة ونشطة، فإن الطلبة بحاجة إلى توفير الفرص المناسبة التي تجعلهم يكتسبون مهارات التعلم الذاتي المباشر والعمل على تطبيقها في المواقف التعلمية والحياتية المختلفة. ويمكن لهذا كله أن يتم من خلال تشجيع الطلبة على إجراء المشاريع البحثية، والأنشطة التعلمية المتنوعة، أو من خلال صياغة مجموعة من الأهداف الأكاديمية، بحيث يعمل ذلك على إثراء الوحدة الدراسية. كما أنه عن طريق الخبرات الأكاديمية التي يبادر إليها الطلبة الموهوبون، فإنهم يستطيعون تعميق فهمهم لمحتوى المنهج المدرسي، في الوقت الذي يتعلمون فيه أيضاً أن يعتمدوا على أنفسهم، ويفكروا بطريقةٍ صحيحةٍ، ويبدعوا في أنشطتهم الشفوية والكتابية.

وتوجد إستراتيجية أخرى للتعليم من أجل الفهم العميق لدى الطلبة الموهوبين، تتمثل في توفير الإمكانيات والفرص لهؤلاء الطلبة للوصول إلى الخبراء الذين يمتلكون ناصية البيان في الربط بين المعارف والمعلومات لمحتوى المادة الدراسية المقررة، وبين ممارستها في المواقف التعلمية المتنوعة. ومع صرف الوقت الكافي خدمة لهذا الغرض مع هذه الفئة المتميزة من الطلبة، فإنهم سيمتلكون المهارات اللازمة لأداء مثل هذه المهام بدلاً من إتمام الواجبات الصفية أو إجابة الأسئلة الواردة في نهاية كل فصلٍ من فصول الكتاب المدرسي المقرر. فطرح هؤلاء الطلبة من الموهوبين والمتفوقين للأمثلة من الحياة الواقعية، يشجعهم بلا شك على الربط بين ما يتعلمونه وما يلاحظونه في حياتهم اليومية.

وينبغي على جميع الطلبة الموهوبين والمتفوقين أن يستخدموا مهارات التفكير العليا خلال تفاعلهم مع الوحدة التعليمية المدروسة، إذ لا بد لهم من العمل على إصدار التعميمات ذات العلاقة بكل ما يتعلمونه من معارف أو معلومات، وطرح الأمثلة التوضيحية المتنوعة، والربط بين محتويات المادة الدراسية المقررة التي يتفاعلون معها، وبين الخبرات الشخصية التي يمرون بها، والعمل على تطبيق المعارف والمعلومات التي تعلموها في مواقف تعلميةٍ جديدة. فمثلاً، إذا كانت الوحدة الدراسية التي يتفاعلون معها تدور حول معايير الحياة التي نحياها وما يؤثر فيها، فإن على المعلم الناجح أن يشجعهم على التعامل مع موضوع البكتيريا والفيروسات، والطلب من هذه الفئة المتميزة من الطلبة تحديد ما إذا كان هذا الكائن العضوي حيا أم لا. كما إن عليهم أن يوضحوا اثر هذا الكائن العضوي على صحة الأفراد والمجتمعات، ثم مقارنة ذلك بكائناتٍ حيةٍ شبيهة، ثم تطبيق المعارف المكتسبة حول البكتيريا والكائنات العضوية على موضوعات شبيهة لها في الحياة اليومية.

ويبقى تقييم التعلم أمراً تكاملياً وله أبعاد متعددة طيلة عملية التعامل مع الوحدة التعليمية المدروسة، حيث ينبغي مساعدة الطلبة الموهوبين والمتفوقين على وضع معايير لتقييم عملهم قبل البدء بدراساتهم المختلفة، وأن جهود الطلبة ينبغي تقييمه من خلال أمرين مهمين: تقييم المعلم الرسمي وغير الرسمي لهؤلاء الطلبة من جهة، وتقييم الطلبة لبعضهم بعضاً وتقييمهم لأنفسهم أيضاً من جهة ثانية. كما ينبغي على هذه الفئة الموهوبة من الطلبة أن يقدموا لمعلميهم تغذيةً راجعةً لكل وحدةٍ دراسيةٍ مقررةٍ تعاملوا معها، مع طرح اقتراحاتٍ للأساليب المناسبة لتحسين العملية التعليمية التعلمية مستقبلاً.