رانيا مسعود - (كاتبة مصرية)

تناولت النظارة السوداء، وبسرعة أعطتها إياها وهي تقول برفق: لا تنسي ارتداءها!

قالت: لا مؤاخذة، كدتُ أنساها.

فردّت: لا أرجوكِ، نحن لا نريد أن تنقلب الليلة الخاصة في حياتها إلى جحيم.

نظرت إليها بعينٍ منكسرة وقالت: أرجوكِ أنتِ تمسكي بأعصابك، ولا تفشي السر.

تنهدت وأجابت: لولاكِ لأفشيته من زمان.

نظرتْ في المرآة، وعَدَّلَتْ وضع ملابسها، واستدارت أمام ابنتها وقالت: ما رأيكِ في ملابسي؟ أتظنين أنني سأبدو جميلة؟

قالت الابنة الكبرى: طبعاً يا أمي، أنتِ أحلى امرأة في الوجود. يكفيني فخراً ما تقدمينه حتى الآن لي ولأختي من تضحيات.

احتضنتها برفقٍ، وقالت لها: أنتما حبيبتاي.

أسرعت تركب سيارة الأجرة مع ابنتها الكبرى، وانطلقت بهما في الطريق إلى قاعة الزفاف.

وبينما تسرحُ الأم في نظارتها وتُذَكِّر نفسها بحتمية ارتدائها، تستعيدُ الابنة الكبرى مشهد أختها الصغيرة وهي تدخل بصينية الحلوى تقدمها للشاب الخجول، ووالدته تقول: بسم الله ما شاء الله، حلوة حلوة يا أسامة. فتجيب وهي تداري ضحكتها: العروس أختي الكبيرة. فتتنحنح الأم وتقول: في انتظارها بلهفة، لكن أين ماما؟

فتجيب: ترتدي ملابسها.

وتدخل العروس ويتهلل وجه أسامة بالفرحة، وتحاول والدته أن تبتلع ما أصابها من شعورٍ أنه قد اختُطفَ منها ومن ابنتيّ خالاته فائقتي الجمال، وتضحك ضحكة مصطنعة وهي تكرر جملتها: بسم الله ما شاء الله، حلوة يا أسامة.

فتدخل الأم مرتبكة، وتُقَدِّمُهَا العروس لوالدة أسامة، وهي تقول بابتسامة: ماما.

تنظرُ والدة أسامة في وجهها، وتردد بارتباكٍ هامسةً بدعاء الابتلاء، ثم تقول لابنها: أظن أننا تعرفنا على زميلتك يا أسامة، علينا أن ننصرف لندرك موعد الطبيب.

ينظر أسامة لوالدته، ويندهش لما تردده، ولا ينطق بكلمة واحدة، بينما تتبادل هي وأختها ووالدتهما النظرات بمنتهى الاندهاش، فيقومان لينصرفا دون أي مقدمات.

تستفيقُ من سُبات الماضي، وتتلألأ قطرات الدموع في عينيها، وتمسحهما وهي تنظر إلى والدتها في سيارة الأجرة، وتراها في وادٍ، بينما يحاولُ سائق السيارة أن يتخطى السيارات الأخرى، ويحاول أن يدير مع السيدة على الأقل حواراً، بينما هي لا تسمعه.

تعودُ للتفكير مرة أخرى، فيتراءى لها أسامة معتذراً عما بدر من والدته، ويتحدث معها مرتبكاً عن عين والدتها، فتلتفتُ لأول مرة إلى إصابة والدتها في عينها، بينما تنظر إليه بمنتهى الاستنكار، ثم تنصرف. فيعلو صوتُ سائق السيارة الأجرة وهو يسب الرجل الذي تخطاه بسيارته. ويقطع عليها رؤية مشهد آخر من الماضي، إلا أنها تعودُ سريعاً لمشاهد أخرى حيث ترى أختها الصغيرة تُعَنِّف والدتهما لترتدي النظارة في كل موقفٍ وعند كل مناسبة.

علت الزغاريد، ودقت الدفوف وبدأت مراسم الزفاف. تُراجع العروس وجوه مَن حولها، وتبحث عنهما، وتداري قلقها بابتسامة، ثم يهمسُ في أذنها قائلاً: اطمئني يا حبيبتي، اتصلت بهما وسيصلان الآن.

وصلت سيارة الأجرة، قدمت الأم ساقاً وأخّرت ساقاً، لكن اندفاع ابنتها الكبرى من السيارة نحو قاعة الزفاف جعلها تتشجع وتنزل من السيارة.

فتحت حقيبتها سريعاً، وضعت نظارتها السوداء على عينيها.

- هيا يا أمي، أسرعي، لقد فاتتنا مراسم الزفاف من بدايتها.

دخلت وقلبُها يرقصُ طرباً على أنغام الموسيقا الصاخبة. لا تصدق أن صغيرتَها أصبحت عروساً، تحاولُ أن تخفيَ دموعَها التي انهمرت بغزارة، وتقتربُ منها بجواره لتقبلها وتحتضنها، تمنعها الدموع من أن ترى بعينها الوحيدة، فترفع طرف النظارة على استحياء لتمسح بمنديلها الدموع كي لا تبتل مساحيق وجه العروس، فتشهق في وجهها العروس بضيق مكتوم من بين أضراسها وتجحظ عيناها، وكأنها تقول لها: لا تخلعي النظارة.

تتبدل ابتسامة أختها الكبرى، وتتراجع إلى الوراء وهي تسحب الأم بعيداً.

تجلسان في ركنٍ بعيد، وتميلُ الأم على ابنتها الكبرى وهي تهمس: يا رب تمر الليلة على خير.

تتابع زفرات الابنة، وتكظم غيظها وهي تنظر نحو العروسين.

تستأذن العروس لتُعَدِّلَ أحمر شفاهها، فتلاحقها الفتيات يساعدنها للخروج من القاعة. فإذا بأختها الكبرى تستوقفهن وتستأذنهن: أريد أن أُعَدِّل لها طرحتها بنفسي.

ينصرفن..

تتبادل الأختان النظرات، وهذه المرة تستجمع الكبرى قواها، ولا تستطيع أن تكظم غيظها، فتفاجئها بتصريحاتٍ قوية: «فقأتِ عين أمك وأنتِ طفلة، وأنا فقدت أسامة بسبب والدته التي رفضت أن يتزوجني ونحن يتيمتان وأمنا عوراء، وظللنا نخفي عنكِ السر حتى تمر ليلة زفافك بسلام. وما زلتِ تتصرفين بأنانية؟!».

هرعت العروس تقبّل يدي والدتها وتحتضنها، وأخذت بيد أمها وأختها لتشاركاها الفرحة وأزالت بنفسها عن عيني الأم النظارة السوداء.