إعلان فايز السرّاج من العاصمة التركية, خصوصاً وهو الى جوار «حليفِه» وداعِمه الاول الرئيس اردوغان, «تحرير» طرابلس ومواصَلة مطاردة «العدو» حتي بسط «السيادة» الكامِلة, وعدم السماح لحفتر «فرصة للتفاوض في هذه «المرحلة».. يعني في وضوح ان انقرة باتت تتوفّر على نقطة ارتكاز وميدان معركة جديديْن, يصعب نفي انها ربحتهما وزادت من نفوذها الاقليمي, على حساب الذين راهنوا (دولاً وتنظيمات وهيئات) على الجنرال حفتر, الذي كان اداؤه كما كفاءة قواته سيئاً وباعثاً على الشك في ان الرجل استفاد من الهزائم العسكرية التي لحقت به في شبابه إبان وجوده ضمن مجموعة القيادات العسكرية الغازية لتشاد, وكانت تأتمر بأوامر العقيد القذافي, الذي كثًرت نزواته وتعدّدت مغامراته ولم يحصد سوى الهزائم وتبديد ثروات الشعب الليبي.

وإذ يتلطى السراج خلف الرطانة غير المفيدة في انه يرأس الحكومة المُعترَف بها دولياً، فإن دعماً سياسياً جديداً محمولاً على دعم عسكري بالتأكيد تلقّاه من حلف شمال الاطلسي على لسان أمينه العام, الذي قال: ان الناتو لا يعترف بغير الحكومة الشرعية. الأمر الذي يعني ضِمن سياقات اخرى ان واشنطن حسمت خياراتها الليبية, وانها باتت تُلقي بثقلها خلف الانخراط التركي المباشر في المعارك الدائرة الان في ليبيا, والتي وصلت ذروتها باجتياح مدينة ترهونة, بعد استعادة كل طرابلس ومطارها الدوليّ, على نحو يُقلص في شكل شبه كامل تقريباً وجود قوات حفتر في غرب البلاد, والتي تُقاتل تحت عنوان «الجيش الوطني الليبي», حيث تبدو صفوفه وكأنها تمزّقت, وبما يزيد من صعوبة إعادة تنظيمها وبثّ الروح في معنوياتها المُتراجعة, والتي كشفتها عمليات الانسحاب غير المُنظّم (إقرأ الفرار) التي شاهدناه في ضواحي طرابلس, وخصوصاً التخلّي المشين وبلا قتال عن قاعدة الوطيّة العسكرية/ الجوية الاستراتيجية, بكل ما فيها من أسلحة وعتاد ودفاعات جوّية لم تُستعمل، وتروج الان شائعات شبه مُؤكّدة بانها ستكون قاعدة لحلف شمال الاطلسي..قريباً.

ليس ثمة ما يدعو للتفاؤل في شأن الحديث الجاري الان عن «مفاوضات» بين طرفي النزاع, وخصوصاً المراوغة التي تبدو عليها تصريحات فريق السراج في شأن التمسّك باتفاق الصخيرات وغيرها من المواقف التي تروم بالدرجة الاولى شراء الوقت, ومحاولة فرض الامر الواقع الميداني, وربما تطوير الهجوم لاستعادة «المُثلث النفطِيّ» الذي اذا ما تمّ فان (أُسطورة) المشير حفتر ستنهار, ولن يكون بمقدوره الزعم بأنّه يستعد لهجوم مُضاد أو ان داعميه في صدد توفير ما يسمح له باعادة تنظيم صفوفه, أوالقيام بهجوم مُضاد لن ينتهي الاّ في طرابلس هذه المرة, وليس على النحو الذي حاوله منذ الرابع من نيسان 2019، ولم يَحصد من ورائه غير هزائم موصوفة, عكست ضمن ما عكسته انعدام التخطيط والكفاءة والثقة الزائدة -غير المُبرّرة- بخطابه العسكري وخصوصا السياسي الفارغ, الذي استند الى دعم عربي/اوروبي ظنّ هؤلاء (داعموه) ان الجنرال الذي يحلو له الظهور دوما بالبزّة العسكرية المزينة بالأوسمة, قادر على اجتياح العاصمة والإمساك بزمام الامور, التي باتت الآن في يد الرئيس التركي (دع عنك حكاية السرّاج ونائبه معيتيق وغيرهما ممن يُشكلون ما يوصف المجلس الرئآسي).

سجّلت تركيا نقطة استراتيجية وجيوسياسية ثمينة لصالحها في مواجهة الحلف العربي الداعم لحفتر, وهي (انقرة) سارعت على لسان رئيسها اردوغان انها في صدد البدء بالتنقيب عن النفط في المنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا, وفق الاتفاق المثير للجدل والمرفوض من قبل دول اوروبية عديدة (كما الاتحاد الاوروبي), لكنها في عجلة من امرها في شأن استكمال بسط سيطرة قوات السرّاج وخصوصا كتائب المرتزقة السوريين واولئك الارهابيين من هيئة تحرير الشام, الذين شاركوا بفعالية في معارك مطار طرابلس وقبلها قاعدة الوطية الجوية, وهم الآن يزحفون نحو الشرق الليبي وربما لن يتوقّفوا إلاّ في اجدابيا (بعد الهلال النفطي), هذا اذا لم يتقدموا نحو بنغازي بدعم من طيران تركيا المُسيّر وذلك الحربي.

فما الذي سيفعله داعمو.. حفتر, لِمواجهة كل هذا التنمّر التُركِي؟.

kharroub@jpf.com.jo