طالعنا بعض الزملاء الكرام باجتهادات وتحليلات دستورية تتحدث عن المفهوم العرفي لحل مجلس النواب بمعنى أن ذلك لا يقع على سبيل الوجوب ولقد جاءت هذه التحليلات والتفسيرات لتبرر لبدعة دستورية غير سليمة جرى تسميتها (مجلس يسلم مجلس) وهذا الفهم إنما جاء نتيجة لاجتزاء النصوص الدستورية والتعامل معها بالقطعة في حين كان يستدعي الأمر استقراء مجموع النصوص الدستورية المباشرة وغير المباشرة والتي مؤداها الوصول لنتيجة تحليلية وتفسيرية مختلفة تماما عن هذا الفهم الذي نحترمه ونختلف معه..

إن البحث في عرفية أم وجوبية حل مجلس النواب تقتضي الرجوع ابتداءً لنص المادة 40/1 من الدستور والتي تتناول في مشتملاتها ومفرداتها الحديث عن الإرادة الملكية والصلاحيات وبالرغم من التحفظ على مفردة (صلاحيات) والتي لابد من تفسيرها بأنها (مجموعة المهام الدستورية) الملقاة على عاتق الملك فإن فهم الماهية للارادة الملكية مسألة حيوية لغايات تفسير ماهية المهام نفسها حيث أن الإرادة الملكية هي الوسيلة الدستورية التي يمارس الملك من خلالها مهامه التي القاها الدستور على عاتقه والتي لا تعطيه حق الامتناع بل الفعل الايجابي بمعنى أن المشرع أخذ بنظرية الفعل لا الامتناع اما الارادة نفسها فترد عليها مجموعة من القيود مثل وجود النص وعدم وجود النص والقيد الزماني والمكاني وتعليل الارادة والقيد الذاتي (الشخصي) فالارادة الملكية بهذا المعنى ليست مطلقة (الصلاحيات) بل مقيدة بضوابط محددة لا يملك جلالة الملك بمواجهتها إلا العمل بموجبها وإعمال الإرادة لا إهمالها ومن هنا فإنه لا يرد القول أبدا بوجود حالة (امتناع) سلبي عن ممارسة الملك لمهامه الدستورية..

اوردت المادة 68/1 من الدستور عدد سنوات عمر مجلس النواب والتي افردت له حكما واضحا من حيث انه اربع سنوات شمسية لكن اجتزاء عجز الفقرة 2 من نفس المادة وقراءتها بشكل منفصل ومنفرد عن صدرها وعن عملية استقراء مجموع نصوص الدستور أشكل على الزملاء الافاضل المسألة وجعل عملية تبعيض النص وتجزئته يفضي الى خلل في الاستنباط من حيث ان المادة تتحدث عن عدم اجراء الانتخابات لأي سبب بحيث يبقى المجلس على حاله وهذا الأمر بالتأكيد يتعارض مع مفهوم وفكرة الارادة الملكية الايجابية لعدم جواز وقوع فعل امتناع للملك عن ممارسته لمهامه الدستورية لما ينطوي على ذلك من مخاطر وفهم سياسي وأمني ودستوري سلبي للحالة الدستورية لا سيما أن الفقرة 2 من نفس المادة جاءت بحكم قطعي لا يقبل التأويل من حيث النص صراحة على وجوب اجراء الانتخابات خلال الشهور الأربعة التي ( تسبق انتهاء مدة المجلس ) ومفهوم ذلك الحل الوجوبي..

يعزز الرأي اعلاه عدة مسائل ومفاهيم وضوابط غاية في الاهمية لم يراعها اصحاب الرأي الذين اجتهدوا في النطاق الدستوري وصولا للرأي القائل (مجلس يسلم مجلس وأن حل مجلس النواب مسألة عرفية لا وجوبية) ذلك أن المادة 73/2 تحدثت عن عملية حل المجلس من حيث تأكيدها وتفسيرها لعجز الفقرة 2 من المادة 68 من الدستور والتي قررت استعادة مجلس النواب لسلطاته الدستورية كاملة في حال عدم اجراء الانتخابات عند انتهاء الاربعة أشهر الوارد ذكرها في النصوص اعلاه ونشير هنا الى مسألتين هامتين في هذا الاتجاه ذلك أن الدستور لم يعط جلالة الملك حق التمديد لمجلس الاعيان والاصل تزامن اعادة تعيين وتشكيل الاعيان مع النواب في المدة بالاضافة الى أن القول بأن الاصل هو بقاء مجلس النواب لمدة اربع سنوات كاملة تصطدم وتتعارض مع اجراء الانتخابات خلال المدة التي نصت عليها المادة 68 وينشأ عن ذلك مجلسا نواب لا مجلس واحد بالاضافة الى وقوع ذلك خلافا للمساواة في المراكز القانونية والدستورية التي نصت عليها المادة 6 من الدستور من حيث وجود افضلية للنائب على راس مهامه الدستورية على حساب باقي المرشحين من غير النواب أما الأخطر من ذلك كله أن جميع الارادات الملكية السابقة والتي قررت حل مجلس النواب قبل اكمال مدة اربع سنوات يعتريها خلل دستوري جوهري ينحدر بها لدرجة البطلان لافتقارها الى التعليل وهذا رأي غير صحيح نهائيا لأن التعليل المطلوب في الارادة الملكية وفقا لاحكام المادة 74/1 انما يكون في الحالة التي يتم فيها حل مجلس النواب قبل انتهاء مدته الدستورية وعليه فلا أصل دستورياً لبدعة (مجلس يسلم مجلس) وتنحصر صلاحيات جلالة الملك إما بالتمديد للمجلس الحالي وفقا للمدد التي قررها الدستور أو يقوم بإنفاذ إرادته السامية بحل مجلس النواب كأصل وجوبي..