عمان – أحمد الطراونة 

هل تتعطّل الثقافة كغيرها من القطاعات؟ ام انها تسهم في تفعيل الحياة واعادة انتاجها بما يتوافق والشروط الجديدة؟ تحت هذا العنوان جاءت وزارة الثقافة الاردنية لتقدم نموذج اخر في التعاطي مع تبعات أزمة "كورونا"، وتجترح حلولا كانت في ظل الرخاء الصحي غير معقولة، وتطرق ابوابا لم تكن لتطرق لولا هذه الجائحة.

في ظل ما سبق من ظروف، وقف العالم حائرا اما تصنيف سيادية القطاعات واهميتها لتكون وزارة الصحة الوزارة الاولى التي تخطف الانظار، لكن ان تحل وزارة الثقافة في الصف الاول للوزارات صاحبة الحضور وتقدم نموذجا جديدا في التعاطي مع الازمات هو السؤال الذي تكمن اجابته خلف ما قدم من قبل فريق هذه الوزارة لتبقى حاضرة وتسهم في خلق حراك ثقافي يتفوق كثيرا على ما قدمته خارج هذا الظرف، ولوحدها، في ظل انسحاب الاذرع الثقافية التي كنا نعتقد انها تسهم في تحريك المشهد الثقافي حتى انكشفت فوقيتها وتخلفها في ان، خلال هذه الجائحة.

اكثر من 20 مليون زائر، يزورون موقع وزارة الثقافة خلال الجائحة، رقم لم يكن ليعقل خارج هذه السياقات، واكثر من 90 الف مشاركة خضعت للتقييم من خلال لجان واسعة تشكلت ضمن هذا الظرف وبشكل يضمن افضل معايير النزاهة والدقة والحرص في التعاطي مع هذه المشاركات والتي تقسّمت ضمن حقول شملت معظم الجوانب الابداعية المتداولة، لتكون هذه الحزم التي نفذتها الوزارة خلال فترة الوباء ضمن برامج التكيف الثقافي التي شملت برامج التوعية والتثقيف، وبرامج الاستثمار الأمثل للوقت، والتخفيف من حدة تأثيرات التباعد الاجتماعي واستخدام جميع الأدوات الممكنة لخلق واقع ثقافي يرافق الحالة ويتعاطى معها ضمن شروطها الصحية، قد خلقت مناخات إبداعية مهمة وكشفت عن آلاف الموهوبين من جميع الفئات والأعمار، اضافة إلى مشاركات عشرات الآلاف ممن تلقوا التدريب وبناء القدرات في أكثر من 100 برنامج تدريبي في حقول الفنون والصناعات الثقافية من خلال المنصات الرقمية، علاوة على عشرات الملايين من المشاهدات للقنوات التي بثت جملة من العروض المسرحية، وصنوف الفنون وأشكال الإبداع.

جهود ضخمة كشفت عن مشهد ابداعي، اقل ما يوصف به، انه لا يمكن التعويل عليه في انتاج مواهب جديدة تضاف للعدد المعروف في الروابط والجمعيات التي اختفت خلال الجائحة ولم تقدم أي شيء.

الاف المواهب التي رسمت وعزفت وغنّت وصوّرت ومثّلت واجترحت العديد من العناوين الابداعية انكشف عنها الغطاء في مشهد جعل الثقافة اقرب كثيرا للشعبية منها الى النخبوية التي كانت تصبغها قبل الكورنا، فألقت بحملها على كاهل وزارة الثقافة التي وجدت نفسها وحيدة في التعاطي مع هذه الخامات، وجعلها امام مسئولية تقديم نموذج جديد يختلف تماما عما كانت تفكر فيه من الاستراتيجيات للتعاطي مع المشهد الثقافي القادم، فتكون هذه الفئات هي من يستحق العناية والمتابعة بعد ان افقرت النخبوية المشهد وجعلته مرتهن الى الشللية والعلاقات الانتخابية غير القادرة على الفرز الناضج.

الشباب المثقف المنتشر في جميع محافظات المملكة اليوم يستحق النظر في مستقبله، ويستحق ان يقدم له ما يجب، خاصة وان وزارة الثقافة قد اكتشفت من خلال مشاريعها الاخيرة ان هنالك زخم كبير في الكم والنوع ياتي من الاطراف التي كانت خارج الحسابات في اغلب الخطط، فالمنصات التي اجترحتها الوزارة وعطت دورا واسعا للاسرة في تشجيع الابناء على المشاركة، وسهولة وبساطة شروط المشاركة، وتنوع الحقول واتساعها، وسهولة التواصل والدخول الى هذه المنصات منحتها فرص النجاح وحسّنت من شروط بقائها حتى خارج شروط الظرف الصحي، لاشتمالها على جميع فئات المجتمع الأردني وتقديمها مساحة واسعة من الخيارات الإبداعية لشبابنا في بيوتهم، ومساهمتها في تطوير قدراتهم وإمكاناتهم الإبداعية.

لم تغفل وزارة الثقافة النخبة، فقدمت عدد من المنصات التي ما تزال حتى هذه اللحظة تستقبل المشاركات للمحترفين والمبدعين الكبار ومنحتهم فرصة تقديم انجازاتهم الابداعية ضمن مسابقات حققت هي الاخرى شروط التنافس والتنوع، كمنصة شغفي، ويوميات كورونا، التي تقدم هي الاخرى جوائز نوعية تسهم في تحريك الراكد الابداعي وتقدم نماذج جديدة من الابداعات وفي حقول مختلفة.

وزير الثقافة د. باسم الطويسي الذي اكد في اكثر من لقاء على إن وباء كورونا المستجد كشف أهمية الدور الثقافي وحيوته في المشهد الانساني القلق، وأن الثقافة تمثل خط دفاع متقدم ضد الوباء، ساهم في تطويع ادوات الوزارة لتكون اكثر مرونة في التعامل مع هذا الظرف.

يقول الطويسي أن وزارة الثقافة الأردنية خلال الأزمة نجحت في تطوير رؤية جديدة للخدمات الثقافية، واستمراراً للنجاح الذي حققه الاردن في تقديم أنموذج متقدم في مواجهة الوباء، وبموازاة ذلك فقد طورت الوزارة رؤية توازن بين مفهومي التكيف الثقافي والحقوق الثقافية. وأن أول الدروس تتصل بالقيم الثقافية التي تمثل الذراع الأقوى في معركة الوعي والوقاية، وأساسها قيم الالتزام الطوعي، وأن المناعة الثقافية لا تقل أهمية عن المناعة الصحية، وهو ما ينبغي ان نعمل عليه. وأن ثاني الدروس اهمية هو أن تنتقل الثقافة بسرعة وبسلاسة من التركيز على النخب إلى الاشتغال على الثقافة المجتمعية، وثالث الدروس أن الجائحة فتحت المجال واسعًا للاستثمار الرقمي، والذي يفترض أن المجتمعات العربية الفتية، هي الأكثر قدرة على استثمار هذه الفرصة من غيرها.

الطويسي أوضح أن الوباء خلق تحديًا جديدًا لما بعد كورونا المستجد، والذي يتمثل في كيفية إعادة تأطير هذه الفئات الموهوبة وصهرها في المشهد الثقافي والإبداعي الوطني والقومي، وإننا نبحث عن خطط جديدة واستراتيجيات لما بعد هذا الوباء، مبينا أنه لا يمكن أن يكون بمعزل عن تخطيط أكثر اتساعًا وشمولًا، محليًا وعربيًا من أجل تعميم التجربة أولًا، والاستفادة من المشاريع والتجارب العربية التي خلصت إليها العديد من الحكومات العربية في ظل هذا الجائحة، وانه لابد من إيلاء بعدي الحقوق الثقافية واستدامة قطاع الثقافة والعاملين فيه الرعاية المطلوبة، حيث وصلت البرامج الثقافية والفنية إلى الفئات الخاصة التي تحتاج الاهتمام في هذه الظروف.

وان علينا الاستعداد لمرحلة ما بعد كورونا وان نعطي أولوية كبرى لحماية الموارد الثقافية والحد من هشاشة القطاع الثقافي ودعم دوره في التنمية المستدامة، وما يقتضيه ذلك من ثقافة مختلفة وخطة ثقافية عربية مشتركة وشاملة تأخذ بعين الاعتبار الدروس المستفادة من الأزمة والتحكم بتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال في إنتاج المحتوى الثقافي.

وكانت وزارة الثقافة اطلقت مع بداية الأزمة حزمة من المشاريع الثقتافية تحت عنوان "حزمة التكيف الثقافي"ومن هذه المشاريع والبرامج: برنامج الثقافة من قرب للمحافظات، وهو برنامج موجه للمحافظات، وينفذ من خلال مديريات الثقافة والمراكز الثقافية التابعة لها والهيئات والجمعيات الثقافية المسجلة ضمن مظلة الوزارة، ويشتمل على تنفيذ 35-40 فعالية ثقافية كل أسبوع من خلال المنصات الرقمية وبجميع الآليات التي تلتزم بشروط التباعد الاجتماعي، وتستجيب للأهداف الوطنية العامة وللاحتياجات الثقافية المحلية في المحافظات.

وهناك أيضاً منصة تدريب الفنون والصناعات الثقافية (شغفي)، التي تسعى إلى بناء قدرات الشباب في سبعة مجالات أساسية (الكتابة الإبداعية، الفنون التشكيلية، الموسيقى، التصوير، صناعة الأفلام والإنتاج، الصناعات الثقافية والإبداعية، فنون التصميم). وتعمل المنصة على توفير نحو 100 برنامج تدريبي مجاني في المرحلة الأولى.

ومن مشاريع الوزارة أيضاً: منصة الكتب والمجلات (الكتبا)، وهي منصة للكتب المجانية تقدم الكتب بسهولة على صيغة (Pdf)، ما يمكن المستخدم قراءتها في أي وقت. وبدأت (الكتبا) في المرحلة الأولى بنحو 5000 كتاب، تركز على الكتاب الأردني.

كما أطلقت الوزارة مسابقة "موهبتي من بيتي" في شهر آذار الماضي، بهدف خلق حالة ثقافية اجتماعية داخل الأسرة الأردنية، في وقت الحظر والتباعد الاجتماعي، والعمل على اكتشاف المواهب في مجالات الثقافة والفنون. وحققت المسابقة حضوراً شعبياً كبيراً.

وأطلقت الوزارة جائزة التوثيق الإبداعي لزمن وباء كورونا (يوميات "كلّ مُرّ سيمرّ")، وهي تهدف إلى ترويج ثقافة التدوين وكتابة اليوميات وسط المثقفين والعامة في المجتمع، وتحديدا في أوقات الأزمات والظروف الخاصة، وتوفير محتوى ثقافي يوثق حياة الأفراد والجماعات ومشاعرهم وتفاصيل الحياة وتحولاتها في زمن الوباء، ما قد يجعل هذا المحتوى الثقافي موئلا للأعمال الفنية والثقافية ومصدرا للباحثين والمهتمين في هذه المرحلة من التاريخ.

وبالنسبة لبرنامج التراث الثقافي الوطني، فهو يشتمل على إعادة تقديم نماذج من التراث الثقافي الوطني من أرشيف وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية. ويتم بث نحو 100 مسرحية وأوبريت غنائي على المنصات والقنوات الرقمية للوزارة من الأعمال التي شاركت في مهرجانات المسرح الأردنية والأعمال الأردنية التي شاركت في المهرجانات العربية والدولية.

وسيبدأ المتحف الرقمي للفن التشكيلي الأردني في المرحلة الأولى بعرض نحو 3500 لوحة فنية عبر فضاء إلكتروني يتيحها للجمهور بصورة تليق بالمبدع الأردني وبالحركة التشكيلية المعاصرة في المملكة.

وفي سياق مشاريع وزارة الثقافة التي تستلهم الرؤى الملكية في إدامة العمل والمراكمة فوق الإنجاز، أتاحت الوزارة جميع أعداد مجلة "أفكار" على موقع جديد بالمجلة، ما سيتيح للعامة فرصاً واسعة لرحلة بعيدة مع الحنين في تجارب المبدعين الأردنيين عبر عقود من الزمن. كما ستوفر المنصة الرقمية مئات الأعداد من المجلات التي أصدرتها وزارة الثقافة (صوت الجيل، والفنون، والفنون الشعبية، ووسام).