عزمت وزارة الداخلية قبل عامين على تفعيل نص المادة ( ١٨ ) من قانون الجنسية الأردني والتي تسمح بإسقاط الجنسية الأردنية أو سحبها ممن يأتي أو يحاول إتيان عمل يهدد أمن وسلامة المملكة سواء كان أردنيّاً بالأصل أو بالتجنّس .

وقوبل الأمر آنذاك بإعتراض من بعض فقهاء الدستور بحجة أن المادة ( ١٢٨ ) المضافة إلى عجز الدستور في العام ( ٢٠١١ ) تتعارض مع نص المادة أعلاه من حيث إبطالها لأي نص يتعارض مع الحقوق الدستورية كون سحب الجنسية سيترتب عليه إبعاد فاقد الجنسية عن المملكة حيث ان الفرع الأول من المادة ( ٩ ) من الدستور نص على عدم جواز إبعاد الأردني عن المملكة بشكل مطلق .

ومع كامل تقديري لوجهة النظر وأصحابها ، أرى أنه تمّ الأخذ بجزء من الأحكام الدستورية وتجاهل الأحكام الباقية المتعلقة بالجنسية ، والأصل أن يُقرأ الدستور وأيّ تشريع آخر كوحدة واحدة.

فلم يتطرق الدستور مطلقاً لأسس منح أو زوال الجنسية الأردنية بل أنه قد أحال الأمر بكامله للقانون الخاص بها وفق المادة (٥) منه، وعليه؛ فالقانون هو الفيصل في تحديد من هو الأردنيّ، وبعبارة أدقّ، لا يعتبر الشخص أردنيّاً إلّا إذا وافق أحكام القانون لاكتساب جنسيته الأصلية أو الطارئة أو الاحتفاظ بها ، من ثمّ يصار إلى مطالعة ما ينطبق عليه من أحكام وما لا يجوز تطبيقه، والشاهد على صحة هذا الرأي هو جواز تخلي الأردني عن جنسيته لغايات اكتساب جنسية دولة أخرى بموجب القانون، فهل يبقى أردنيّاً بعدها رغماً عنه؟ وهل يعامل معاملة تختلف عن الأجنبي فلا يجوز ابعاده أيضاً إذا خالف شروط الإقامة؟ وهل يبقى متمتعاً بعدها بالحقوق الدستورية؟ وهل يجوز أن نقرّ بصحة هذا الإجراء والتنازل المستند للقانون ونعطل حكماً آخر في ذات القانون وكلاهما يتمتع بذات المرتبة الإلزامية؟ وكيف نستند للقانون في أسس منح الجنسية ونختار من بين أحكامه ما يصلح لإسقاطها عن حاملها وما لا يؤدي تلك الوظيفة من الأحكام؟

لقد استعملت دول عدة هذه الوسيلة ومنها على سبيل المثال لا الحصر المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين ودولة الإمارات وكذلك الكويت وغيرها من الدول العربية، وكذلك فعلت المملكة المتحدة والسويد وألمانيا وعدة دول أوروبية حيث ضمنت مثل تلك النصوص لقوانينها الوطنية استناداً لاتفاق الفقه الدولي على الربط بين الجنسية وعنصر الولاء والانتماء للدولة كأساس للارتباط الفعلي والواقعي بينهما والعكس صحيح..

ويسوق كذلك بعض منظري السياسة عدم فعالية سحب الجنسية من قيادات وعناصر التنظيمات المتطرفة كونهم لا يعترفون أساساً بالأنظمة السياسية، لكن الواقع أن عودتهم إلى البلاد التي يحملون جنسيتها - ولا نقول ينتمون لها - قد أدى حقيقة لاستمرار العديد منهم بحمل الفكر التكفيري والعودة لتجنيد عناصر جديدة وممارسة العمل الإرهابي في بلدانهم، لذا فالأسلم هو افقادهم جنسياتهم وهم خارج المملكة تجنّباً لعودتهم أو نزعها عنهم بعد محاكمتهم لدى عودتهم ومن ثم إبعادهم، ويستدعي هذا بطبيعة الحال تعديل النصوص لتشمل الالتحاق بالجماعات الإرهابية لغايات فقد الجنسية لا حصرها باستهداف المملكة فقط أو الإنخراط في صفوف دولة معادية كما في القانون، وسحبها منهم بقرار صادر عن مجلس الوزراء كما في ذات المادة.

أما أفضل الوسائل القانونية لمجابهة استهداف الفكر الهدّام للمملكة فتكون في تشريع نصوص تتيح لمن أراد الانسحاب من ذلك المضمار قبل إتيان أي عمل تمتعه بالحماية القانونية في حال ان أفصح عن معلومات قبل مرحلة الشروع - تماماً كبعض أنواع الجرائم ومنها الرشوة -، وسيساعد ذلك حتماً في تجنب الجماعات الضالة للأردنيين خشية من افتضاح أمرها في أية مرحلة على أيدي عناصرها المجندة أو المتعاطفة.

لا شك أن الفيصل في ذلك كله هو المحكمة الدستورية، لكن؛ علينا كذلك الإقرار بأن حملة الفكر التكفيري لا يغادرون مربع فكرهم الهدام إلّا من رَحِمَ ربّي، لا سيما بعد أن ظهرت بعض الحواضن له بالداخل والتي ظهرت على أيدي من عادوا من بؤر الإرهاب قديما وحديثاً.

حمى الله الأردن قيادة وشعباً

والله من وراء القصد