بالأمس القريب لا بل والقريب جداً، كان التعلم عن بعد او التعلم غير المنتظم تعلما غير معترف به لدى وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي، فقد كانت تشترط وزارة التعليم العالي على الطلبة الدارسين في الخارج إثبات الإقامة أو شرط الإقامة في بلد الدراسة لمدد زمنية مختلفة تراوحت بين عام وانتهت بثمانية أشهر. أما ما يتعلق بطلبة المدارس فمن منا لا يتذكر قضية معادلة شهادة الثانوية العامة للطلبة الأردنيين ممن درسوا في السودان وتركيا وغيرها من الدول. كما أن كثيراً من الجامعات كانت ترفض وبطريقة غير معلنة تعيين حملة شهادة الدكتوراة من خريجي هذه الدول بحجة عدم الانتظام في الدراسة، لا بل أن معظم الجامعات كان تمنع تعيين حملة الدكتوراة من خريجي بعض الجامعات الأردنية والتي لا أريد أن اسميها بحجة ان الدوام الفعلي للطلبة في هذه الجامعات كان يومي الجمعة والسبت، وكان هذا يمثل سبباً مقنعاً وكافياً لدى إدارات الجامعات لتمنع تعيين خريجي هذه الجامعات على الرغم من ان الكثير منهم قد لا يقل كفاءة عن خريج أي جامعة أردنية رسمية.

سقت هذه المقدمة لأبين للقارئ الكريم الموقف الرسمي وشبه الرسمي من التعلم عن بعد أو الدراسة بالانتساب أو الدراسة غير المنتظمة قبل مدة زمنية قريبة، خاصة ونحن نعيش حالة من الجدل حول نجاعة التعلم عن بعد، وإصرار البعض على إن تجربة التعلم عن بعد تجربة ناجحة ولا يشوبها شائبة. ومن يتواضع منهم يقول إنها تجربة ناجحة وإن كان ثمة هنات فهي لا ترقى الى مستوى الصعوبات والمعيقات الحقيقية والتي قد تجعل الجامعات تلغي الفصل الصيفي مثلا وتنتظر إلى بداية العام الدراسي الجديد لتقرر كيف سيكون التعلم في العام الدراسي الجديد. ما الذي تغير وهل ظهور جائحة كورونا واضطرارنا للتعامل معها لإنهاء الفصل الدراسي الثاني حسن من التعلم عن بعد وجعله جميلاً حقاً؟

قلت في أكثر من مقال سابق إن التعلم عن بعد كان حلاً وحيداً ومقبولاً لإنهاء الفصل الدراسي الثاني الذي كان قد بدأ قبل ظهور جائحة كورونا، أما محاولة الترويج ان التجربة كانت ناجحة فتعميم وترويج يجافي الحقيقة في كثير من الجوانب.ان الاعتماد على آراء وانطباعات رؤساء الجامعات وعمداء الكليات ومديري التربية والتعليم ومديري والمدارس مع خالص الاحترام والتقدير لهم لا يمثل رأي الغالبية العظمى من الأساتذة والطلبة وأولياء الأمور والذين عانوا الأمرين من هذه التجربة الجديدة والفريدة.

لا ينكر عاقل أو منصف أهمية ومكانة ودور التكنولوجيا في التعليم، لا بل إن توظيف التكنولوجيا في التعليم ضرورة مارسها الكثير من الأساتذة والمعلمين من قبل كورونا وكانت هذه الممارسات تدعم وتساعد في حدوث التعلم بصورة أفضل، ولكنها كانت تحدث في الحرم الجامعي وفي مختبرات مجهزة لهذه الغاية. إن التعليم المدمج أي الذي يجمع بين التدريس التقليدي وتوظيف التكنولوجيا في التعليم مطلب وطني ملح يحتاج منا جميعاً لدعمه وجعله جزءاً من السلوك التدريسي للأساتذة والمعلمين.

إن تجربة التعلم عن بعد تحتاج إلى تقويم واقعي موضوعي تشارك به لجان علمية متخصصة تثمل جميع أطراف العملية التعليمية لتقف فعلا على نتائج تقويم هذه التجربة، ودعم الجيد والناجح منها، واقتراح حلول مناسبة وواقعية للمشكلات التي ظهرت أثناء هذه التجربة القصيرة وقبل اتخاذ قرارات حاسمة.

ينبغي أن نكون منصفين ونتحدث بصراحة عن ضعف الإمكانيات والبنى التحتية الداعم للتعلم الالكتروني (أجهزة حاسوب أو هواتف ذكية والخادمات المتوفرة في الجامعات وشبكات خدمة توفر الإنترنت) والتي شكلت معضلة كبيرة في وجه تجربة التعلم الالكتروني خلال الفصل الثاني. كما ينبغي أن نتحدث وبصراحة أيضاً عن ضعف المهارات التقنية لدى الطلبة والأساتذة وأولياء الأمور.

إن التقويم الصادق والواقعي والحقيقي والمستند إلى أسس علمية وموضوعية هو السبيل الوحيد الذي ينبغي أن تتخذ قراراتنا بالاعتماد عليه بعيداً عن إنكار الواقع وتزيينه إن أردنا أن نتقدم ونحقق غاياتنا وأهدافنا التي نسعى لتحقيقها منذ عقود وما زلنا نراوح في مكاننا إن لم نكن قد تراجعنا.