بعد إنقطاع دام عدة أشهر بسبب بعض الكسل المفاجىء الذي إنتابني خلال هبة الكورونا وإنشغالي في شأن عام يتعلق بخطة تنظيم وتوحيد القطاع الصحي الذي يحتاج لها هذا القطاع منذ عدة عقود وجاءت الجائحة لتثبت مدى الحاجة الملحة لإحداث جملة من التغييرات الجذرية على واقع هذا القطاع. نعود إلى الحضن الدافئ الرأي كما كان أبن العم طارق مصاروه رحمه الله يسميها. ورغم أني مقل في الكتابة حيث كنت أكتب مقالاً أسبوعياً أحياناً في الشأن العام وعلى الأغلب في الشأن الصحي إلا أني شعرت أن البعد عن الرأي سواء كقارئ دائم للصحيفة أم ككاتب مقل كمن أبتعد عن الوطن لبعض الوقت.

نعترف اليوم بأن جيلنا لا يستمتع بقراءة الجريدة على شاشات الكمبيوتر والموبايل ويريدها أمامه يقلب صفحاتها ويحل كلماتها المتقاطعة. في الثلاثة شهورالأخيرة المشهد تغير كله وأختطفه الفيروس كلياً وتم فرض طقوس علينا فيها مغالاة غير مستحبة ففي الجانب المعلوماتي أصبحنا نتلقى سيلا من المعلومات والفيديوهات والبوستات التثقيفية بعضها يتعارض مع الآخر في سابقة لم تشهدها البشرية من قبل وخضعنا لعمليات غسيل لأدمغتنا وتغيير لقناعاتنا وتلقينا دروساً في السياسة والأقتصاد والطب وبالتحديد في علم الأوبئة والجوائح والرياضة في أوقات الحظر والحشر وفنون الطبخ وأصناف الأكل المناسب جميعها للوفاء بمتطلبات الزمن الكوروني الذي ألقى بظلاله على كامل المشهد الحياتي العام والخاص.

سلوكيات لطالما أعتقدنا أنها لن تتغير مهما حاول البعض من قادة الرأي والمجتمع تغييرها مثل العناق والمصافحة وتبادل القبل في مناسبة وبدون مناسبة اصبحت في خبر كان على الأقل عند معظم الناس في المجتمع الأردني وحول العالم وحتى بين أفراد العائلة الواحدة وهذا لم يكن سهلاً من الناحية العاطفية. كما أصبح الناس يتحسسون لا بل يخشون الأقتراب من التجمعات وزيارة الأهل والأصدقاء والأحبة لما لهذه الزيارات من إرباك للبرنامج الكوروني اليومي لهم وتحاشياً للأنضمام إلى عشيرة ناقلي العدوى أو عشائر مخالطي المخالطين ويصبحوا ضمن قوائم المشاهير والنجوم على وسائل التواصل الأجتماعي كالفتاة الكورية الجنوبية التي صنفت بأنديكس/36 وكانت مسؤولة عن 60% من الاصابات الأولى لفيروس كورونا في كوريا الجنوبية وما حدث عندنا في عرس إربد والخناصري وفارمسي ون وحلاق البلد وغيرها. وهذا ايضاً لم يكن سهلاً من الناحية الاجتماعية في مجتمع التواصل الدائم وصلة الرحم.

تألقت ربات البيوت في تقمص دور مدراء ضبط العدوى في بيوتهن وفي تطبيق المعايير الخاصة بجودة المواد والغذاء وإجراءات الدخول والخروج من المنزل والتعقيم الدائم لكل شيء يتحرك بما في ذلك الأزواج. نعود للصحة لنقول وهذا قد ثبت بالوجه القطعي أن سلامة القطاع الصحي تعني بالأساس سلامة باقي القطاعات وأن قرار الأغلاق والأنفتاح هو قرار صحي تشاوري بامتياز يتدرج زمنياً ومكانياً مع تدرج الوضع الوبائي خلال الجائحة وأعتقد أننا وصلنا إلى وضع يتطلب إتخاذ قرارات جريئة لعودة الحياة إلى طبيعتها مع بقاء بعض القيود المحكومة بأمر دفاع خاص بالتجمعات غير المنضبطة. كما تأكد لنا أن المستوى الذي أصبح مهمشاً من مستويات الرعاية الصحية قد عاد الى الواجهة من جديد وأن ما تبقى منه بعد عقود من التهميش والتركيز على الخدمات العلاجية في المستشفيات هو الذي أنقذنا وأوصلنا إلى ما نحن عليه من إحتواء وسيطرة على الفيروس على أيدي الفريق الوطني الرائع للأوبئة، وأن القلق والخوف اللذان كانا ينتابانا مصدرهما عدم قدرة المستشفيات على إحتواء الموجات المتعاقبة لو قدرالله حدوثها. لقد أثبتت الجائحة أن الأردن دائماً ولاد وأن فيه قامات في كل حقل وأختصاص وان المحن لا تزيده إلا ألقاً وإقتداراً على تجاوزها. حمى الله الأردن والقيادة والأنسانية جمعاء كما إعتدنا أن نسمعها من وزرائنا الافاضل العضايلة وجابر.

استشاري مستشفيات وتخطيط صحي