آخر الأسبوع - وليد سليمان

في الأيام العادية وخلال هذه الظروف التي نعيشها يحرص معظم الناس في بلادنا ان يتموَّنوا ببعض السلع الغذائية الضرورية, بتواجدها الدائم في مطبخ البيت, ومنها مثلاً: الخبز والماء الصحي والأرز والزيت والبيض والسكر والشاي والقهوة, ثم أهم ثلاثة أغذية من الخضار وهي: البندورة والبطاطا والبصل.. وربما سلع غذائية أخرى.

فلتلك الأنواع الثلاثة من الخضار شعبية كبيرة لدى أفراد العائلات الأردنية الذين لا يستغنون عنها في جميع الظروف والأحوال.

البندورة

فالبندورة » الطماطم» هو غذاء شعبي هام، لا غنى عنه في موائدنا, فالمطبخ المحلي الذي يخلو من حبات البندورة لا يمكن تصوره في بيوتنا، لذا فإن اول مادة غذائية يحرص على شرائها المواطن من سوق الخضار هي البندورة الحمراء, التي لا بد منها في وجباته العديدة لصنع: السلطات، والقلايات, وفي المشاوي, والمحاشي, والسندويشات, ومرق أطعمة الخضار الأخرى...الخ.

وقد أُطلِق على البندورة قديما عدة تسميات منها: تفاحة الحب, والفاكهة الذهبية, وحبة الثعلب.

وقد عرف العالم البندورة على يد الفاتحين الاسبان الذين اكتشفوا العالم الجديد وبالذات في اميركا الجنوبية.

هذا وقد اتبع الاسبان طريقة قبائل «الازتيك» في قارة اميركا الجنوبية في تحضير البندورة وذلك مع الفلفل الحار والبصل والملح والزيت والخل, وذلك بحسب الطريقة الواردة في كتاب للطبخ صدرعام 1692 تحت اسم «صلصة على الطريق الاسبانية».

وفي عصرنا الحاضر لا نتخيل مطبخاً او مطعماً اردنياً لا توجد فيه حبات البندورة.. فبيت بلا بندورة كبيتٍ بلا ماء او كهرباء؛ فالبندورة ضرورية في كل الفصول والاوقات.

البطاطا

وغذاء البطاطا أو البطاطس هو كذلك غذاء شعبي عالمي, ونحن في الأردن لا نستغني عنه في تحضير وجبات شهية وسريعة وغيرها مثل: البطاطا المقلية, والمسلوقة, والمشوية, والمفركة, وطبيخ البطاطا مع الشوربة, وصواني البطاطا مع اللحم بالفرن, ومع المتبلات, وفي ساندويشات الفلافل, وحتى في صُنع الشبس...الخ.

ومن الطريف أن البطاطا قد انتقلت من جبال قارة أميركا الجنوبية الى بقية بلاد العالم على يد المستكشف الاسباني «بيزارو", الذي غزا «بيرو» بحثاً عن الذهب وغيره من الثروات الطبيعية الأخرى.

ولكنه لم يكن يتصور مطلقا ان تلك البطاطا التي اكتشفها في جبال أميركا الجنوبية–وما زالت تنمو تلقائياً حتى الآن وخاصة في جبال بيرو–ستكون اكثر قيمة للعالم وأوسع انتشاراً من حمولات الذهب والفضة التي صحبها معه.

فالبطاطا تحتل الآن المكان الأول بين الخضراوات في العالم، كما انها من اهم الخضراوات في أوروبا والأميركيتين.

ولسبب ما لا يعرفه أحد بالضبط حتى الآن؛ أصبحت البطاطا غذاءً مهماً في ايرلنده قبل غيرها من بلاد أوروبا، ومن هنا اكتسبت البطاطس العادية التي نأكلها اسم «البطاطا الإيرلندية».

ومن ايرلندا انتقلت الى ولاية «نيو انجلند» بأميركا عام 1791, وأصبحت بعض الولايات الأميركية شهيرة ببطاطتها, ولا سيما ولايتي «ايداهو» و«مين».

وهناك الآن أكثر من ألف نوع من البطاطا و تزرع حاليا فى معظم بلدان العالم.

البصل

وعن البصل والذي يدخل في معظم طعامنا الأردني والعربي بشكلٍ عام فهو غذاء قديم جداً ورد ذِكره في القرآن الكريم في سورة البقرة.

وقبل نحو عشرين سنةً قام القاص والروائي المصري «محمد مستجاب» بجولة ذاكرة طريفة متحدثاً حول كل ما يعني له البصل في الحياة بقوله:

«نسمع أحياناً من يردد الجملة التالية- يا داخل بين البصلة وقشرتها...- إنه مثل عامي مصري وهو يوازي أمثلة أخرى منتشرة في البيئات العربية المختلفة.. ومعنى هذا المثل واضح؛ حيث يُضرب للذين يتطفلون على أمور لها نتائج غير مريحة.. وبالتحديد وأكثر دقة عن نوعٍ من المُحكمين بين المتنازعين الأقارب ذوي الأمزجة المختلفة.

لكن دور البصل في الحياة كلها اكبر بمراحل من مجرد ارتباط بحالات الصلح التي قد تتمزق فيها ملابس المحكمين.

وقد ظل جدِّي في حالة خصام مع إحدى العائلات في قرية مجاورة لأنهم قدموا له طبقاً من البصل المقطع أرباعاً، وانتظروا أن يمد يده لكن الرجل رفض!!! لم يكن يعرف ان تقليداً خاصاً بهذه القرية يستوجب تقديم البصل للضيف قبل اقامة مائدة الوليمة إثباتاً لحسن نواياهم ونواياه.. إذ كان من المعتقد ان البصل يطرد السموم او يكشفها او يعطلها.. فيحمي المصاب بها اذا ما كان جوفه قد امتلأ بالبصل, ذي المادة المطهرة ذات الرائحة النفاذة... لقد رفض جدي ذلك وغضب ان تبدأ الوليمة بالبصل!!! وخرج لاعناً!!!.

هناك أناس كثيرون لا يحبون البصل، ويتكارهون مع رائحته، على أساس أن «الصنان» الناجم منه يظل منتشراً في الفم والمجال الجوي للفم.

وكانت العادة قديماً ان البصل هو أول ما يستقبل الوليد فور ولادته.. يتم تهشيم البصلة ودعك أنف الوليد بجزيئاتها ليستنى للرائحة النفاذة الطيارة ان تستثير الخياشيم فتبدأ العمل.. ومشهد الوليد حين يعطس حينذاك يجعلك تتشمم روح الحياة معه!! وكأنك تواجهها لاول مرة.. فسبحان الله، يتقلص وجه المولود ثم ينفرج ويعطس مرة اخرى.. فينطلق تيار من الحبور والانشراح فيمن حوله.

والبصل في مصر يؤدي الى احساس غامر بالتفاؤل حين تدخل العروس بيت العريس للمرة الاولى وهي تخطو على قشر البصل.

كما ان التفاؤل وطلب البركة أمر واضح في تعمد إلقاء عروش البصل وبقاياه على أجران الحبوب–قبل الكيل.

وكان عمال معامل تفريخ الكتاكيت يلتهمون كميات غير معهودة من البصل خلال كمونهم اسابيع بجوارمواقع البيض المظلمة!! لكن الامر هذه المرة لا يرجع لطلب البركة واليُمن والتفاؤل حماية للكتاكيت–كما كنت اعتقد!!.

بل لأن البصل صيدلية كاملة لعلاج الدم ودورته البابية–في الكبد–أو الوريدية، أو القلبية، وقدرته فائقة–والثوم كذلك–على اذابة الدهون «الجلطات» وتنشيط الأعصاب بما فيها أعصاب الحواس: كالنظر والسمع والذوق والشم والتواصل بالطبع.

وشعوبنا الشرقية العربية مغرمة بالبصل المصاحب الدائم للوجبات الدسمة، والبصل المشوي كان مطلوباً عند الاجيال السابقة بإلحاح- ولم يعد ذلك قائماً الآن-.

وفي التراث العربي القديم يُعدد عالم الطب «داود الأنطاكي» في كتابه » تذكرة أولي الألباب» فوائد صحية وعلاجية للبصل تتجاوز المعهود:

فالمعتق مع الفاكهة يشفي من الثأثأة واللجلجلة في النطق، والمخمر مع لبن الزير «وهو معروف في صعيد مصر» يساعد على نمو الأطراف القصيرة، ويعيد البهجة للأزواج الذين تجاوزروا عمر البهجة، كما أن البصل بالبيض «مختلف عن العجّة التي يكون الفول اهم عناصرها» يفيد في اذابة النقطة التي تعتور العين وتدمرها.

ويزيد الناس من أهمية البصل فيحيلون اليه علاج امراض: النخاع الشوكي «آلام سلسلة الظهر»، وتنميل الركب والمفاصل «الروماتيزم» وسقوط شعر الأهداب (أي الرموش)، وللذين يصيبهم القراع.

كما أن قبائل البشارية والعبابدة–في الصحراء المصرية الشرقية–يحفظون التمائم والأحجبة فترة في ماء البصل!! كي تكتسب قدرة على البقاء في اشعاع دائم يحمي المتسلح به من مهاجمة الحيوانات والزواحف الصحراوية, والأعداء أيضاً!!.

وبعيداً عمّا يكون معتقداً شعبياً أو حقائق طبية، فإن البصل يكاد يكون القاسم المشترك في كل موائدنا – الدسمة أو الفقيرة، كما انه يدخل في معظم تجهيرات المأكولات وأنواع الطبيخ.

ولا يزال تسبيك اللحوم فناً لذيذاً خاصاً بشعوبنا، دون اهتمام بما يعنيه ذلك من تحفظ أهل النظم الصحية شديدة الحساسية للأكل.

وكان المرحوم عبقري اللحن الشرقي «زكريا أحمد» يصدر أصواتاً من غازات بلعومه خلال انتشائه بغناء ألحانه، وكان «الشيخ سيد مكاوي» يقول ضاحكاً: إن الحنجرة الطيبة تنمو في «صنان» رائحة البصل!!.

إلا أن نزوع الملحنين المعاصرين بعيداً عن الجلسات الشعبية الأثيرة ؛ فقد فصل البصل بعيداً عن الموسيقى، وهو ما ادى لظهور هذا الضجيج الحداثي من الغناء الذي خلا من العنصرين: البصل والموسيقى.

ومع أن البصل معروف في العالم كله، وطعام العالم كله، وقد تكون هناك تحذيرات طبية بالتخفيف من تناول اللحوم، أو السكر، أو الزبد، أو القهوة، أو الملح، لكن نفس الطبيب قد ينصحك–أو يأمرك–بأنّ تسرف في تناول البصل.. فأكثر الله من الأبصال في بيتك ومأكلك وفي زهوك أيضاً».