عمان - خولة أبوقورة

رفض سمير ابن العشرة أعوام استقبال خالته التي أتت لزيارته وأسرته بعد فك الحجر جزئيا، واختبأ في غرفته وهو يقول لأمه «ستنقل لنا الكورونا».

لم تكن تلك الحالة الوحيدة للطفل الوحيد الذي قذف فيروس الكورونا الرعب في قلبه، فقد لاحظت أم بكر الاهتمام البالغ الذي يوليه ولدها ابن الثلاثة عشرعام، في متابعة أعداد الإصابات والوفيات حول العالم ومتابعته لكل بلد من بلدان العالم عبر تطبيق على جهازه المحمول.

أما نورا (سبعة أعوام)، فكانت ترفض الخروج من البيت دون تغطية جسمها وشعرها بالكامل ولبس القفازات المطاطية.

يقول المستشار النفسي الدكتور عمار التميمي بهذا الشأن: «لا شك أن جائحة فيروس كورونا غيرت منظومة السلوك في العالم بأكمله لما لها من آثار اقتصادية واجتماعية وتربوية ونفسية، وكل شخص تأثر بهذا الفيروس بشكل سلبي، لكن الأكثر تضرراً هم الأطفال».

ويستدرك بالتوضيح: «لكن هل سيكون لدى العديد من الأطفال فوبيات ومخاوف مرضية محتملة؟؟ التي يكون اكتسابها مشترطا بنمط التربية والأسلوب الذي شرحُ ووضح لهم به عن هذه الجائحة».

ويلاحظ التميمي أنه خلال الجائحة زاد وعي الأطفال، لكن وعيهم سلاح ذو حدين؛ فإذا كان وعيا ممنهجا مبنيا على أسس واقعية ومنطقية ومبسطا دون تهويل فهو شيء إيجابي ويجعل الطفل يحمي نفسه من التعرض لهذا الفيروس والإصابة به».

وهو يركزعلى أهمية الكيفية التي تقدم فيها المعلومة للأطفال: «فيجب أن تكون صادقة وحقيقية دون تهويل، ومن ناحية أخرى دون تجاهل أو إسفاف؛ فطريقة الشرح تعزز الجانب النفسي فإذا تم الشرح بطريقة مضخمة وفيها تهويل ستتسبب بمخاوف لدى الأطفال».

ويعتقد التميمي أن هذه الجائحة ستزيد من خبرات الأطفال؛ «فهم شهدوا شيئا لم يشهدوه من قبل، وإن كان لهذه الخبرات آثار سلبية، لكن يجب أن نخرج منها بدروس وعبر وأمور إيجابية يتم تعليمها للأطفال بأخذ الحيطة والحذر».

مسؤولية الأسرة

ويرى التميمي أن المسؤول الأول في تقديم المعلومة هي «الأسرة» التي ينشأ فيها الطفل؛ حيث يكتسب الأطفال سلوكياتهم في سنواتهم الأولى من الآباء والأمهات الذين يعتبرون القدوة. لذا «على الأهل مراقبة كلامهم وسلوكياتهم وردود أفعالهم أثناء التعامل مع الأبناء وعدم سماع الكثير من الأخبار المتعلقة بكورونا من حيث عدد الإصابات والوفيات لما لها آثار سلبية على صحة الأبناء النفسية»..

ويذكر التميمي المصادر الأخرى التي يستقي منها الأطفال سلوكياتهم وهي «وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والأجهزة المحمولة، حيث أصبح كل طفل يمتلك جهازا.

وينبه إلى أن هناك زخما اعلاميا موجهاً نحو الفيروس وخطره الذي يهدد الملايين، لهذا يجب الحد من استخدامهم وسائل الاتصال التي تنشر الذعر والخوف، والتوضيح للأطفال بأن معظم ما يتم تداوله غير دقيق والهدف منها بث الخوف والذعر بين الأفراد وبأن علينا أخذ المعلومة الصحيحة من المصادر الطبية الموثوقة ».

ووفقا للمستشارة النفسية والتربوية الدكتورة أمينة حطاب فإنه من المهم في هذه المرحلة «التحدث مع أبنائنا عن الدروس المستفادة من هذه التجربة والتأكيد أنها عاجلا أم آجلا ستنتهي وأن الحرص على الوقاية من الأمراض جيد لكن بدون مبالغة».

وتدعو إلى تذكيرهم بأننا «خُلقنا لنتعارف ونتواصل ونقيم الصلات الإنسانية ونحترم الآخرين ونقدر خصوصايتهم بدون جفاء، وأن التخطيط والتدبير مهارات لابد من إتقانها وجعلها منهج حياة نستفيد منها، وأن الحياة لا تسيرعلى وتيرة واحدة، لذلك كانت المرونة في التفكير وتقبل التغيير من مميزات الناجحين».

وترى حطاب أن «اغتنام الفرص وعدم تأجيل المهمات هي من الأمور التي تساعدنا على التكيف السريع مع المتغيرات التي قد تطرأ على حياتنا في المستقبل القريب أو حتى البعيد».

ولكي نعزز الصحة النفسية عند أبنائنا «لابد من تعويدهم على الصبر والتحمل والابتعاد عن التذمر وكثرة الشكوى والتفكير من جوانب متعددة وان لكل شيء مظلم وجه مضيء».

أنماط التعامل

وينقسم الناس من حيث كيفية التعامل مع الجائحة حسب وجهة نظر التميمي لثلاث فئات: «الفئة المنطقية والعقلانية وهم الأشخاص الذين لديهم يقين أن للفيروس زمن محدد وسيزول، ولدى هؤلاء الأشخاص إيمان راسخ وأفكار عقلانية، ويرون أن أخذ الاحتياطات اللازمة والضرورية للوقاية من هذا الفيروس أساسي وضروري ليحمي الشخص نفسه وأفراد أسرته من الإصابة بهذه الجائحة».

أما الفئة الثانية، الذين يكون ضررهم على فكر الأطفال أكثر من نفعهم ويعتقدون أن هذا الفيروس ناتج عن نظرية مؤامرة اقتصادية سياسية تهدف إلى تغيير شكل القوى في العالم، وهؤلاء يستقون المعلومات من مصادر غير موثوقة تعتمد على الإشاعة والتهويل، ودون أن يمحصوها وإذا نقلت هذه الأفكار للأطفال ستغير من مفاهيمهم سلبا».

والفئة الثالثة، يتابع التميمي، هم الأشخاص المتضررون جداً من تفشي جائحة كورونا وهم الذين يعانون في الأصل من القلق والخوف والتوهمات والوساوس القهرية، وهؤلاء يمكن أن يؤثروا على الأطفال الذين هم كالصفحة البيضاء؛ كل ما يزرع فيهم من مفاهيم وأفكار تصبح لديهم ثوابت وتؤثر في شخصياتهم وفي تكيفهم وتعاملهم مع العالم الخارجي في الحاضروالمستقبل.

اكتساب العادات الايجابية

وتبين الحطاب بأن «لكل شيء في هذا الوجود وجهان وجه نافع ومفيد وآخر غير نافع وغير مفيد، وكذلك الحال بالنسبة لتجربتنا مع فيروس كورونا والحجر المنزلي؛ فقد اكتسب أطفالنا عادات صحية مثل غسيل اليدين باستمرار والعناية بالنظافة الشخصية والتباعد الجسدي».

مفاهيم خاطئة يجب تقويمها

كما يتوقع التميمي بأنه بعد الانتهاء من الجائحة سيترسخ لدى بعض الاطفال المفاهيم الخاطئة» كالابتعاد عن الناس وعدم الخروج من المنزل الا بكمامة وقفازات لايجب السلام غلأا عند ارتداءها،وهذه المفاهيم يجب تداركها و تصحيحها وتقع هذه المسؤولية على عاتق الأهل والمدارس والمؤسسات التربوية والأخصائيين النفسيين عن طريق عقد ورش عمل ودورات لكيفية التعامل بعد زمن كورونا حتى يعرف الاطفال بان له زمن وسينتهي ويزيل مخاوفهم ويصحح المعتقدات الخاطئة التي اكتسبوها.

حيث يرى التميمي أن العديد من الاطفال يعتقدون» بأن التباعد الإجتماعي ضروري في هذه المرحلة وهنا لابد ان نصحح هذه المفاهيم لديهم وننخبرهم بأن التباعد الجسدي هو المطلوب وذلك بالحفاظ على مسافة أمان بيننا وبين الآخرين وأما التباعد الإجتماعي مرفوض بل علينا التقارب اجتماعيا في هذا الزمن عن طريق التكافل والعاون وتضافر الجهود بين الأفراد والمؤسسسات للتصدي لهذه الجائحة».

وتتفق المستشارة النفسية والتربوية الدكتورة أمينة الحطاب مع ذلك، «فبالرغم من الدراسات التي تقول أن الطفل يحتاج إلى ١٢ حضن يوميا لكي ينمو بشكل سليم و٢٠ لكي يبدع في مهارات التفكير إلا فكرة المساحة الخاصة بكل فرد بدأت تتبلورعند الأطفال وزاد وعيهم بأن أجسامهم لهم وحدهم ولا يجوز لأحد الاقتراب منها ويكفيهم عناق الوالدين للحصول على الدعم العاطفي».

التمييز بين أشكال التباعد

وتوضح الحطاب أن علينا أن نميز بين مفهوم التباعد الجسدي والتباعد الاجتماعي؛ فمهارات التواصل مهمة جدا للكبار والصغار، لذلك علينا التأكيد عليها من خلال التواصل مع الآخرين أقارب وأصدقاء من خلال الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي، ولأن ديننا هو دين الرحمة والمحبة، فمن الجميل تعويد أبنائنا على التبرع بصدقات مهما قلت عن طريق وسائل الدفع الإلكتروني من محافظ وغيرها».

كما يلفت التميمي إلى ضرورة تلقي الأشخاص الذين اصيبوا بالكورونا الى دعم نفسي متخصص ليتجاوزوا محنة اصابتهم بالفيروس بمخالطة اشخاص مصابين وأن هذا الفيروس ليس وصمة عار أو لعنة فأي شخص معرض للإصابة به لسرعة وسهولة انتقاله».

وتحث حطاب على التفاؤل «فهو سلاحنا في مواجهة الصعوبات والتحديات والإيمان بأن القادم أفضل هو أملنا في اجتياز المشكلات، وفي الحياة دروس وعبر لابد من الإستفادة منها للوصول إلى بر الأمان».