في السنوات الماضية انكفأ المجتمع الأردني على نفسه، ولم يبد أي اهتمام في الشأن العام مع بعض الاستثناءات القليلة واللحظات القصيرة نسبياً، وكان الحديث بالسياسية ترفاً لا طائل منه مقابل الحديث عن الأوضاع الاقتصادية وأحوال المعيشة ناهيك عن النميمة المجتمعية.

لا يريد الكثير الربط بين ما تحتويه خزانة «المونة» في المنزل وبين السياسية، لكن الحقيقة بكل بساطة ان المونة وغيرها من الأحوال والظروف المعيشة هي ترجمة مباشرة للتوجهات السياسية التي لا يمكن التفريق بينها وبين التوجهات والسياسات الاقتصادية.

ففي بلد يشغل قطاعه العام حوالي ٣٠٪ من اجمالي العاملين–وهذه النسبة قريبة لنسب العديد من البلاد المتقدمة كالنرويج والدنمارك والسويد- وتبلغ نسبة اجمالي رواتب موظفي القطاع العام الي الناتج المحلي الإجمالي حوالي ٦، ٨٪ لعام ٢٠١٨ فهذا يعني أنهم يتقاضون أجورًا منخفضة جدًا، وقد بلغت نسبة الأردنيين الذين يتقاضون رواتب شهرية ما دون ٣٠٠ دينار نحو ٢٤، ٢٪ ومن رواتبهم دون ٥٠٠ دينار نسبة ٦٤، ٩٪ من الأردنيين لعام ٢٠١٧ حسب بيانات التقرير السنوي لمؤسسة الضمان الاجتماعي لنفس العام، ناهيك عن نسبة بطالة قياسية مؤهلة للارتفاع بعد أزمة الوباء بلغت ٢٨.٥٪ للفئة العمرية بين ٢٠-٢٤ و١٩.٥٪ عمومًا، ومديونية آخذة بالزيادة من دون أن يفهم أحد ما هي خطط سدادها بعد حين؟

ومع كل ما نعرفه ونعيشه من الارقام والحقائق وصعوبة الظروف المعيشية مازلنا نسمع دعوات لترشيق القطاع العام الذي أثبت مؤخرًا حاجتنا الماسة له ولكفاءاته وخبراته لمواجهة الازمات إضافة لدوره كأكبر مشغل للأردنيين في الحفاظ على تماسك المجتمع، كما أن الجميع يردد عبارات دعم القطاع الخاص دون تفسير ألية الدعم، فهناك فرق واسع بين تخفيف العبء الضريبي والكلف التشغيلية وبين اللجوء إلى جيوب الموظفين، إضافة الى تراجع ثقة المجتمع بمجلس النواب والنخب الاقتصادية والسياسية، ويتصدر هذا المشهد من يروج لحلول اقتصادية فنية من دون اصلاح سياسي وهو بهذا كمن يروج للركض على قدم واحدة.

إدارة الحكومة للملف الاقتصادي للازمة تحتاج الى التفاف المجتمع حولها واجماعه عليها، فالارتباك والانفراد بالرأي والمعلومة في الملف الاقتصادي والاجتماعي قد يقودنا الى نتائج غير محمودة، أتفهم جيداً أن الحكومة بقراراتها الأخيرة كانت تحاول المحافظة على وظائف الأردنيين، لكن ما نفع الوظيفة اذا كانت لا تغطي الاحتياجات الأساسية للموظف؟

الوباء وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية يشكل ظرفاً استثنائيا لكنه كذلك يحمل فرصاً استثنائية، ليشتبك المجتمع مع قضاياه من جديد، ويفرز مجلس نواب يثق به ويدعمه ليتمكن من القيام بدوره الرقابي والتشريعي ويعيد التوازن بين الشارع والحكومة.

المجتمع القوي المشتبك مع قضاياه يعني بالضرورة قوة الدولة، فالدولة تحتاج الى جبهة داخلية قوية ومتراصة لتتمكن من عبور الازمات وكسب المزيد من النفوذ وأدوات القوة ايضاً، وفي ظل ظروف الإقليم والعالم السياسية والاقتصادية فقوة الدولة المرتكنة الى مجتمع قوي ضرورة للبقاء والدفاع عن الوجود والحدود معاً.

Saifalrawashdeh0@gmail.com