د.يوسف عبدالله الجوارنة

(أكاديمي أردنيّ- جامعة طيبة)

«خلّيك» بالبيت أو بالدّار، تركيبٌ -في العاميَّة- مُحوَّلٌ عن: تَبيَّت، أو تَدَيَّر -في الفصيحة-، بمعنى: الزم بيتك أو دارك، أي: اجعلْ من بيتك أو دارك ملاذاً أو حصناً تًحصّن به نفسك من (كورونا)، حتّى لا تكونَ سبباً في مَوْتكَ وانتقالكَ إلى الآخرة.

هذا التّركيب (خلّيك بالبيت)، يُذكّرنا بالتّركيب: «تَجَبَّلوا من الطّاعون في الجبــال»، في وباء الطّاعون سنة ثماني عشرة للهجرة، وقد تناقلتها الأقلام هذه الأيام في وسائل التّواصل الاجتماعيّ، في سياق غَزْو فيروس (كورونا) القاراتِ كلَّها وباءً عالميّاً، عَبَرَ الحُدود وطَغى في النّاس، وانتشر بينهم من غير إذن ولا استئذان.

واللفظة مشتقَّة من الجَبَل (اسماً جامداً)، ويدلّ على ذات تُدرك بالحواسّ، فهو من أسماء الأجناس المَحْسوسة–على وزن (تَفَعَّلَ) بزيادة التّاء والتّضعيف، ومن معانيها: الاتّخاذ، أي: «اتِّخاذُ أَصْلِ ما اشتقَّ منه ذلك الفعل» كما نصَّ الاستراباذي في «شرح الشّافية»، ومثاله: تَوَسَّد الرّجلُ ثوبَه: اتّخذه وسادة، وتبنّى زيداً: اتّخذه ابناً، وتَسنّم المَجْد: اتّخذه سناماً.. إلخ. والشّاهدُ في (تَجَبَّلوا) ورودها في خطبة الصّحابيّ الجليل عمرو بن العاص (43هـ)، أحد قادة الفتح الإسلاميّ في بلاد الشام، قالها في طاعون عَمواس (قرية بفلسطين بين الرّملة وبيت المقدس، كما في معجم البلدان، ودمّرها اليهود سنة 1967م)- ذلك أنّه بعد أنْ طُعِن في الطّاعون ثُلة من كبار الصّحابة، منهم أمير الشّام أبو عبيدة عامر بن الجرّاح، ومعاذ بن جبل، وشرحبيل بن حسنة، وسهيل بن عمرو، وغيرهم كثير- استخلفه أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب في المسلمين سنة ثماني عشرة للهجرة، فقام عمرو فيهم خطيباً: «أيُّها الناس، إنّ هذا الوَجَع إذا وَقَع، فإنَّما يَشْتعــلُ اشتعالَ النـَّار، فتجبَّلوا منه في الجبــال»، كما في مسند الإمام أحمد (رقم 1697)، وتاريخ الطّبري (310هـ)، و"المنتظم» لابن الجوزيّ (597هـ). وفي «السّيرة النبويَّة وأخبار الخلفاء» لابن حبّان البُستيّ (354هـ): فارتفعوا عنه، ولا شاهد فيه. وفي «مرآة الزّمان في تواريخ الأعيان» لسبط ابن الجوزي (654هـ): فتحيَّزوا منه، وفي «البداية والنهاية» لابن كثير (774هـ): فتحصَّنوا منه. وعليه، فمعنى الكلمة ينصرف إلى «الاتّخاذ»، أم إلى «الدّخول»؟ نَصّ الصّغانيّ اللغويّ (650هـ) في «التّكملة» أنَّ معنى «تَجبَّلَ» الدّخول، قال: «تَجبَّلَ القومُ الجبالَ: دخلوها»، ونقله عنه الزّبيديّ (1205هـ) في «تاج العروس»، وقيَّده المَجْمع في «المعجم الوسيط».

بيد أنَّ أبا الحسن السّنديّ (1138هـ) جعل «التَّجبُّل» في حاشيته على «مُسْند الإمام أحمد» من «أَجْبلَ»، إذا صار إلى الجبل ودخل فيه، لأنّه ليس من معاني (تَفَعَّلَ) الدّخول، قال: «وأمّا جَعْلُه من «التَّجبُّل» فلا تُساعدُه اللغة». وقوله هذا يُخالف ما نَصّ عليه الصّغانيّ. وواضحٌ أنَّ ما فَرَّ منه السّنديّ، وهو معنى «الدّخول» للصيغة «تَجَبَّل»، وليس من معانيها، قد وقع في غيره، ليثبت هذا المعنى الذي نصَّ عليه الصّغانيّ؛ فجعلَ «التَّجبُّل» من الفعل «أَجْبلَ»، الذي من معانيه «الدّخول» في الزّمان والمكان، وذلك الاشتقاق غير صحيح. ولو أنّه وقفَ عند معنى «الاتّخاذ» من معانيها، لخلص من هذا الاضطراب الذي وقع فيه؛ لأنَّ قول عمرو بن العاص: «تجبَّلوا منه في الجبــال»، يفيد معنى الاتّخاذ، أي: اتّخِذوا الجبال ملاذاً ورُكناً يَعْصِمُكم من الطّاعون.

ويقوّي هذا الوجه الرّوايةُ الثانية: «تَحصَّنوا منه في الجبال»، أي: اتّخِذوها حصناً يَدْرؤكم منه، بل إنَّ التَّجبُّل هنا لا يَخْرج عن معنى «التَّحصُّن»، ومنه قولُ القائل: تَحصَّنَ الجنودُ بالقلعة: اتَّخَذوها حصناً، وتَحصَّنَت المرأة: اتَّخذت العفَّة حصناً يَحْفظ شرفها.

ثمّ إنَّ قصّة الصّحابيّ سارية بن زُنيم (30هـ)، أحد قادة الفتح في بلاد فارس، إذْ سمع صوتاً ينادي: «يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ»، لا تَخْرج في ظنّي عن معنى الاتّخاذ، أي: الزم الجبل واتّخذه درءاً وحصناً يَحْميكم من عدوّكم.

وفي السّياق نفسه يُمْكنُ القولُ: «تَبيَّتوا في بيوتكم»، وتفيد معنى «الاتّخاذ» أيضاً، أي: اتَّخذوها حصناً آمناً يَحْفظُكم من هذه الجائحة، ولا يَنْصرف إلى معنى «الدّخول»، أي: ادخلوا بيوتكم؛ لأنَّ البيوت في سياق (كورونا) مُحصّناتٌ، وملاذ آمنٌ منه. أمّا تَبيَّتت المرأة وتَبعَّلت، فصار لها بيتٌ وبَعْل، والصّيرورةُ معنى آخرُ من معاني (تَفَعَّلَ). ومثلُه: تَدَيَّروا في بيوتكم، أي: اتّخِذُوها داراً تُقيمون فيها.

ويمكنُ القولُ: تَحَيَّزوا في دوركم، أي: اتَّخذوها حَوْزة (ناحية) تَقيكم بأسَ (كورونا) وأضراره، ومنها قوله تعالى: (ومَن يُولِّهم يَوْمئذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحرِّفاً لقتالٍ أَو مُتَحيِّزاً إِلى فئةٍ) (الأنفال: 16)، فالتّحيُّز الانضمامُ وطَلَبُ الحَيِّزِ والحَوْزة، أي: ناحية، قال ابن عاشور (1973م): «تَحيَّزَ إلى فئة: رجعَ القَهْقرى ليلتحقَ بطائفةٍ من أصحابه فيتقوَّى بهم»، أي: اتّخذَهم عُصْبةً يَكرُّ بهم على الكفّار.

وأصلُ المُتحيّز: المُتحوّز، مِن حازَ يَحوزُ حَوْزاً، ثمّ عن طريق المُخالفة بين المتماثلين بالحذف والتّعويض بصامتٍ آخر، صارت (مُتَحيْوز)، ثمّ حصل إعلالٌ بقلب الواو ياءً، فصارت (مُتحيّز)، كَسَيّد وميّت، قال الزّجّاج (311هـ): «وأصلُ (مُتَحَيِّز): متَحَيْوزِ؛ فأدْغمت الياءُ في الواو»، وذهبَ الزّمخشريّ (538هـ) في تفسيره إلى أنَّ وَزْنَ (مُتَحيِّز): مُتَفيعِل، لا مُتَفعِّل، لأنَّه من حاز يَحوز؛ فبناءُ (مُتَفعِّل) منه: مُتَحوِّز»، ووافقه البيضاويّ (691هـ) والسَّمين الحلبيّ (756هـ)، وابن عادل (775هـ). وخالفهم التَّفتازانيّ (792هـ) في حاشيته على «الكشّاف»، فرأى أنَّ وَزْنَ (تَحيُّز) تَفعُّل، نَقل عنه ابنُ عاشور قال: «وجَوَّز التَّفتازانيّ أنْ يكون وَزنُه (تَفعُّل)، بناءً على اعتباره مُشتقّاً من الكلمةِ الواقعِ فيها الإبدالُ والإدغامُ، وهي: الحَيِّز»، وذلك لكثرةِ استعمالِ الكلمة بالياء، عُوملت مُعاملةَ ما عينُه ياءً، والأصل واوٌ؛ قال ابن جنّي (392هـ) في «التّنبيه» في بيان إشكال بيتٍ لجابر بن حريش الطّائيّ، من شعراء الحماسة، وهو: (إذْ لا تَخافُ حُدوجُنا قَذْفَ النَّوى/ قبل الفساد إقامةً وتَدَيُّرا)، قال: «التَّديُّر: تَفعُّل، من الدّار، وقياسُها: تَدَوُّر، لأنَّ عينها واو، بدلالة قولهم: دور، غير أنّهم لمّا كثر استعمالُهم: دَيْر، ودِيار، ودِيَرَة، ودِيارات، أَنِسُوا بالياء، ووجدوا جانبَها أوطأَ حِسّاً وألينَ مَسّاً، فاجترؤوا عليها»، وقال بمثله المَرْزوقيّ (421هـ) والشّنتمريّ (476هـ) في شَرْحيهما.

ويُمكنُ القول: تَزَيَّلوا في أسواقكم، أي: تَباعدوا وتَفرّقوا، مُطاوع (زَيَّلَ). ومنه قوله تعالى: (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ علْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) (الفتح: 25)، أي: لو تَفرَّقوا وتَميَّز بعضُهم من بعض، من زال يَزيل، قال الفراء (207هـ): «ليست من: زُلْتُ؛ إنّما هي من: زِلْتُ: إذا فَرَّقت»، وقاله الزّمخشريّ، وساق الخلاف في وزن (زَيَّلَ) السّمينُ وتابعه ابنُ عادل. ويبدو أنَّ ما قيل في «التَّحيُّز» و"التَّديُّر» يقال في «التَّزيُّل»، لأنّها كلَّها على وِزان واحد ومن جذر واحد، الأصل فيها: حاز يَحوز، ودار يدور، وزال يزول، ولكنْ بُني كلّ منها على الياء لخفّته وكثرة دورانه في الكلام. وعليه، فأصلُ التَّزيُّل: التَّزوّل، ثم خُولف بين المتماثلين بالحذف والتّعويض (التَّزيول)، ثمّ أُعلّت الكلمة بقلب الواو ياءً وأدغمتا معاً (التَّزيُّل).