الرأي - رصد

بدأ خلال الأسبوع الماضي جنوب فرنسا تركيب أول أجزاء مفاعل "إيتر" النووي الاندماجي الأكبر من نوعه في العالم، لتدخل بذلك عملية إنجاز أضخم مشروع تقني في تاريخ البشرية.

وتعد هذه المرحلة حاسمة بعد عقد ونصف العقد من بداية أشغال البناء، في سبيل إنتاج طاقة نظيفة وغير قابلة للنضوب في المستقبل.

وعلى مدى يومين تم وضع قاعدة مبرد المفاعل وهي وعاء فولاذي سميك بوزن 1250 طنا، يمثل الجزء السفلي من علبة معدنية ضخمة ستحوي لاحقا باقي أجزاء المفاعل الرئيسية.

حلم الشمس الصغيرة

يهدف مشروع "إيتر" إلى بناء مفاعل نووي لتوليد الطاقة بنفس الطريقة التي تنتج بها الشمس وبقية النجوم طاقتها من خلال دمج عناصر كيميائية خفيفة مثل الهيدروجين لتشكيل عناصر أثقل.

وعلى عكس المفاعلات النووية الانشطارية المنتشرة حاليا والتي تنتج الطاقة من خلال تفتيت عناصر ثقيلة مثل اليورانيوم والبلوتونيوم، فإن المفاعل الاندماجي لا ينتج أية مواد مشعة أو ضارة بالبيئة والكائنات الحية، إضافة إلى أن كميات الطاقة التي تنتجها أكبر بعشرات المرات.

وقد صمم أول مفاعل اندماجي في خمسينات القرن الماضي من نوع "توكاماك" ابتكره العالمان السوفياتيان أندريه سخاروف وإيغور تام.

ويعتمد المبدأ الأساسي لعمل هذا المفاعل الاندماجي على تحويل نظائر من الهيدروجين، أو من العناصر الخفيفة الأخرى، إلى بلازما متأينة بعد نزع الإلكترونات من نوى الذرات بفعل الحرارة العالية، قبل أن تندمج هذه النوى مشكلة عناصر أثقل ومطلقة كميات هائلة من الطاقة.

ولتهيئة ظروف شبيهة بتلك الموجودة في قلب النجوم، يتم لف غرفة فراغية دائرية لها إطار سيارة داخل المفاعل الاندماجي، بمغناطيس عملاق يقوم بتوليد حقل مغناطيسي قوي. وذلك بهدف حصر البلازما الساخنة فترة طويلة تكفي لحصول عملية الاندماج وإنتاج الطاقة، ثم تقوم أنظمة التبريد بنقل هذه الطاقة إلى خارج المفاعل.

وقد تم بناء مفاعلات تجريبية صغيرة من هذا النوع أثبتت فعلا أن الاندماج النووي ممكن، إلا أن "إيتر" سيكون أول مفاعل قادر على إنتاج طاقة أكبر من تلك التي يحتاجها للتشغيل.

وقدر العلماء أن المفاعل الاندماجي العملاق سيتمكن من إنتاج عشرة أضعاف الطاقة اللازمة لتشغيله.

سباق مع الزمن

غير أن بناء مفاعل اندماجي مثل "إيتر" يتطلب إمكانات تقنية ومادية هائلة لتوفير ظروف مناسبة لحصول عمليات الاندماج كما في مركز الشمس حيث تبلغ درجة الحرارة أكثر من 15 مليون درجة إضافة إلى ضغط عال جدا.

واقتضى إنجاز هذا الصرح التقني تعاون 35 دولة هي دول الاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى الولايات المتحدة وسويسرا وروسيا والصين وكوريا واليابان والهند منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، مع رصد ميزانية هائلة ومتضخمة مع الوقت وصلت حتى الآن أكثر من 45 مليار دولار.

ويقدر المتابعون للمشروع نسبة إنجازه حاليا بأكثر من 70%، في الوقت الذي تعمل فيه آلاف المصانع حول العالم لتصنيع ما يزيد عن عشرة ملايين قطعة مختلفة من المفاعل بمواصفات صارمة سيتم تجميعها مثل قطع "ليغو" عملاق. من بينها 18 لفيفة معدنية ضخمة ستشكل مغناطيسا هو الأكبر من نوعه في العالم بوزن 320 طنا حول الغرفة الفراغية للمفاعل.

ويسابق فريق "إيتر" الزمن للحصول على جميع مكونات المفاعل الاندماجي الرئيسية بحلول نهاية عام 2021، من أجل الوفاء بالموعد المبرمج لتشغيل الجهاز الضخم في ديسمبر/كانون الأول 2025.

وإذا سارت الأمور على ما يرام، فإن محطة الطاقة التجريبية الأولى التي تستخدم الاندماج النووي لن تكون جاهزة قبل 2035 على الأقل، مما يعني أنه لن يكون بالإمكان بناء مفاعلات تجارية لإنتاج الطاقة قبل منتصف القرن الحالي.

ورغم أن العقبات الكبيرة -التي واجهت المشروع منذ بداياته- جعلته يسير ببطء فإنه يتقدم بثبات، كما يقول الخبراء.

فالاندماج النووي هو الطريقة الوحيدة الصديقة للبيئة لتوليد كميات كبيرة من الكهرباء ليلا ونهارا، دون الاعتماد على الوقود الأحفوري أو الطاقة النووية التقليدية الخطيرة على البيئة.