كتب - محمد قديسات

اختلطت مشاعر الفرح الممزوجة بالحنين لعشاق الرأي في التعبير عن مكنوناتهم تجاه معشوقة رافقتهم وشاركتهم فنجان قهوتهم الصباحي على مدى خمسين عاما وهي تطل عليهم من جديد برائحة حبرها بعد توقف اجباري فرضته تداعيات جائحة كورونا.

وقالوا ان الرأي شكلت حالة تمازج فريدة بين ادمانهم على رائحة الورق ورائحة القهوة الفواحة التي لم يجدوا بديلا لها فكانت بنظرهم وجبة صباحية دسمة وغنية بالمحتوى والمعرفة والاطلال على زوايا يبحثون عنها وهم يرتشفون فنجان قهوتهم الصباحي تطوف بهم ارجاء الوطن والعالم من حولهم وهم جالسون في اماكنهم فاصبحت قيمة وعرفا سائدا يلامس خواطرهم ووجدانهم يجدون فيها ضالتهم المنشودة بالخبر والتحليل والمقالة والتقرير والتحقيق والقصة والصورة المرتكزة في يقينهم على المصداقية والثقة التي شكلتها الرأي مع قرائها كاساس ومصدر للخبر الصادق والموضوعي الموثوق.

وازدادت مشاعر الفرح بعودة الرأي مع شقيقاتها بين عشاقها والاوفياء لها باحتفالها بيوبيلها الذهبي بعد ان احتضنت الوطن على مدى خمسة عقود ولونت فضاءاته وحملت رسالته وهمومه واماله وتطلعات شعبه بتميز حتى فرضت نفسها صحيفة الوطن الاولى مدافعة عنه كما يدافع الجندي والشرطي ورجل الامن عن ثرى الوطن وترابه الطهور فكان الطهر عنوانها والنقاء ديدنها والكلمة معولها وعصارة الخبرة كنزها واعلام الاعلام رموزها بنوا مؤسسة صحفية رائدة فرضت اسمها ووجودها محليا وعربيا ودوليا.

هذا العشق الذي يحمله عشاق الرأي لمعشوقتهم لم يخل من تخوف على مصير مجهول للصحافة الورقية فهي بنظرهم الام والقاعدة التي يجب ان لا تمس مهما تمايلت الاغصان من حولها وتطاولت فهم يرون ان القلم والورقة هما اساس العمل الصحفي والمعرفة رغم صنوف المعرفة والاتصال والاعلام الجديد فهي كالكتاب لا يمكن لاي محرك بحث تكنولوجي ان يغني عنه ويمنح متصفحه لذة لا يشعر بها الا المدمنون على رائحة الورق.

هذا التخوف من ان تعصف الازمة التي تمر بها الصحافة الورقية بها وتطيح بها ارضا بعد ان كانت عامودا وعمادا من اعمدة الوطن دفع بالعديد من عشاق الرأي تحديدا والصحف الورقية تعميما الى الدعوة لضرورة معالجة الازمة وان تتحمل الجهات المسؤولة عن احداث الازمة فيها مسؤولياتها تجاه ما يحدث لها راهنا وانقاذها بكل الطرق والوسائل الممكنة فهي بالنسبة لهم غذاء الروح والعقل ومنبر المعرفة الذي لا يضاهيه اي منبر مهما امتلك من ادوات العصرنة فهي بالنسبة لهم موروث وحضارة واصالة وحاضنة للمعرفة.

ويصف رئيس منتدى اربد الثقافي الدكتور خالد الشرايري ان كلمات «الرأي» ليس كالكلمات ولا حروفها كالحروف لانها تمثل بالنسبة له ولجيله حالة حميمية وحكاية عشق لا يفهم مكنوناتها سوى العاشق والمعشوق ويدلل على ذلك بان نكهة فنجان القهوة الصباحي الذي تناوله اليوم والرأي بين يديه يرتشفها كما يرتشف فنجان القهوة نهما وشوقا وتحنانا اعادت لقهوته نكهتها المعهودة التي افتقدها مع توقف صدور الرأي مؤكدا ان هذا الاحساس يعبر يقينا عن القيمة والمعنى الحقيقي لـ الرأي عند عشاقها الكثر وما تحتله من مساحة في وجدانهم.

ويعبر الشرايري عن ادمانه لرائحة ورق الرأي بمقاربة بين ذلك وبين تعطش الظمآن للماء ويبتعد بخياله بانه لا يقدر ان يتخيل الاردن بلا الرأي فهي صحيفة الوطن بكل مكوناتها ومكنوناته وتفاصيله صغرت ام كبرت وهي الوجبة التي لاغنى عنها رغم تعدد صنوف الوجبات السريعة التي تقتحتم انوفنا رغما عنا تضعنا في حيرة من امرنا في التمييز بين الغث والسمين وهو ما يؤكد حاجتنا الى بقاء الرأي بلونها الواحد الموحد شامخة راسخة حاملة كبرياء الوطن واماله والامه على حد سواء.

ويروي الشرايري الكثير من المواقف الطريفة عندما كانت الرأي تتاخر لظرف او سبب ما عن الوصول الى اربد حيث عشاقها الكثر يترقبونها بلهفة كل صباح يتسابقون في الوصول اليها خوفا من نفادها واذا ما حصل ذلك فان اللجوء الى الجيران او من اسعفه الوقت والحظ احيانا بالحصول على نسخة منها لاستعاراتها فكانت تنتقل من يد الى اخرى في الحارة الواحدة او عند الجيران او في المحال المتجاورة لا يرضون بديلا عنها في مشاهد كثيرة عايشها تدلل بلا شك على مدى تعطش وتعلق عشاق الرأي بها وهو ما دفعه للمطالبة بالعض عليها بالنواجذ وعدم التفريط بها تحت ظرف او تحد كان فهي ذاكرة وطن وحاملة رسالة ومشعل امل لن يطفي بريقها اي وسيلة اعلامية اخرى مهما ادهشتنا بحداثتها فلـالرأي عشاقها وللورق مدمنوه.

ويقول امين سر مجلس مؤسسة اعمار اربد ومقرر اللجنة العليا لاحتفالية اربد عاصمة للثقافة العربية 2021 المهندس منذر البطاينة ان الصحافة الورقية في الاردن وفي مقدمتها الرأي كرست تقاليد حكمت منظومة العلاقات داخل أسر تلك المؤسسات الصحفية، وربطت وارتبطت بالذائقة الجماهيرية، وكانت موادها الزاد اليومي لفئات المجتمع من مختلف طبقاته، وكان كتاب اعمدتها يؤسسون ويبنون الوعي والموقف من مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

واكد البطاينة ان استعادة الدور مسؤولية وحاجة وطنية ينبغي على كل مؤسسات الدولة الرسمية والشعبية الاضطلاع بها لتعود لصحافتنا الورقية القها ودورها ورسالتها التي لايمكن ان تعوضها اي وسيلة او منبر اخر ولهذا بدأ البطاينة متشددا حيال مطالبة مؤسسات الدولة القيام بدروها في تمكين المؤسسات الصحفية من استعادة الدور الرئيسي للدولة في بناء حالة الثقة مع المواطنين بسياساتها وبرامجها المختلفة. وتوفير كافة اشكال التسهيلات والدعم المالي والمعنوي.

وبارك البطاينة لاسرة الرأي وقرائها ومحبيها احتفالهم باليوبيل الذهبي لمؤسسة صحفية حملت هموم الوطن وقضاياها وطافت بها ارجاء المعمورة ودافعت عنها بالكلمة والحبر والقلم والموقف منوها ان صباحات الاردنيين لا تحلو الا بوجود الرأي واخواتها بين ايديهم كما ادمنوها حبا وعشقا.

وفي هذا السياق ترى المعلمة وطالبة الماجستير في الموارد البشرية اريج الشبول ان اصل المعرفة القلم والورقة مهما وصل اليه العالم من تقدم تكنولوجي ورقمي هائل لان الحرف في الورقة يحفر في الذاكرة وتبقى صورته راسخة في العقل فالاصل لا يلغيه الفرع ولا يستطيع ان يحل مكانه وليس بمقدروه ان يمنحك الاحساس بنفس صبغة ولون ورائحة الاصل.

وتبدو الشبول اكثر حماسة للورق من اي شيء اخر وهي تقول «اذا مات الاصل جف الفرع وذبل واصفر » ولا يمكنه ان يؤدي رسالة الاصل مهما امتلك من شباب وقوة وادوات لانها تبقى بلا روافع وعرضة للسقوط في اي لحظة ولا يمكن الرهان عليها كرافعة وطنية وحضارية وثقافية ومعرفية فالصحف الورقية اصلها ثابت وفرعها في السماء تحمل الوطن بهمومه واماله تقرب المسافات وتختزل الاوجاع وتضعها امام صانع القرار باسلوب ومنهجية مهنية تحترم المصداقية لا تتاثر بالهوى وانما غايتها الوطن والمواطن والحق والحقيقة بعيدا عن اي اهداف او اجندات او مطامع او مصالح لا ترقى الى العمومية.

والشبول تروي ان الرأي كانت صديقة العائلة تتقاذفها الايدي منذ كنا صغارا وكبرت فينا عشقا للحرف والكلمة امتدت معنا حتى ادمنا عليها نستيقظ على اطلالتها مع محرك سيارة الموزع الذي يقوم بايصالها للبقالة القريبة منا وهي ترى فيها انموذجا حيا للكلمة الصادقة والمعبرة التي نحتاجها اليوم اكثر من اي وقت مضى في ظل هذه التحديات والظروف الصعبة لتبقى حاملة لرسالة الدفاع عن الوطن ومشعلا يوقد الامل في نفوس مواطنيه وهي تنبري لتتبنى قضاياهم وهمومهم والدفاع عنها بمهنية واحترافية عالية وباركت لـالرأي عيد ميلادها الخمسين متمنية ان يحمل القادم اخبارا سارة لعشاقها واسرتها بانها باقية بقاء الوطن.