فيما تتواصل الاحتجاجات الشعبية الأميركية غير المسبوقة في حدتها واتساعها الجغرافي, وخصوصاً انخراط شرائح مجتمعية ذات أعراق متعددة، وفيما تتزايد مُؤشرات ارتباك الادارة الاميركية واجهزتها الامنية والتنفيذية, التي تبدو وكأنها استفاقت من غفوة طويلة, فشلت خلالها في معالجها اصول التمييز والعنصرية اللذين ميزا سلوك الرجل الابيض الاميركي, الذي يرى في كل من ليس بشرته بيضاء، بانه مُتطفل ودخيل وطارئ وعدو محتمل, جاء لافساد المجتمع «الطهراني» الابيض, الذي لم يَنجُ رغم مرور أزيد من قرنين على «الإستقلال» الاميركي وبخاصة بعد انتهاء الحرب الأهلية لصالح الشمال ضد الجنوب المُتمرّد.

في خضم ذلك كله... ينكشف على نحو يدعو للتأمل وربما الشماتة في فقدان الرئيس الاميركي ترمب, ما تبقى من قدراته على معالجة أزمة داخلية مُتدحرجة في اجواء انتخابية محمومة, عكست ضمن امور اخرى فداحة التراجع في شعبيته جراء معالجته البائسة لجائحة كورونا, ومضيّه قدما في استعداء المزيد من الدول والمنظمات الدولية, فقط كي لا يعترف بأخطائه ويُواصل التعاطي بازدراء مع المجتمع الدولي, ضارباً عرض الحائط بكل ما تواضعت عليه شعوب المعمورة وتوافقت عليه الأمم من اجل تنظيم علاقات الدول ببعضها. وإعلانها التزام القانون الدولي, وتوسّل دبلوماسية السلام والحوار لحل المشكلات, بعيداً عن الأنانية والتلويح بالغزو والحروب وتقديم منطق القوة على منطق القانون والقيم الإنسانية.

وحدها الولايات المتحدة ومنذ انتهاء الحرب الباردة, بل خصوصا منذ وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها, وبروزها واشنطن على المسرح الدولي كقوة عظمى وارثة امبراطوريات استعمارية غربية آفلة, وبخاصة فرنسا وبريطانيا, رفضت (واشنطن) في شكل سافر وفظّ وعدواني الاستفادة او استخلاص دروس التاريخ وعبره, والمصير المشين الذي انتهت اليه النازية والفاشية, بل زعمت «فرادتها» وادّعت لنفسها «استثنائية» مزعومة, وقالت وهي تخوض حربا باردة ضد الاتحاد السوفياتي: ان «لا غنى للعالم عنها», ولهذا نصّبت نفسها قائدة لـ«العالم الحُر», وفارضة نفسها حارسة ومُدافعة عن حقوق الانسان والديمقراطية وغيرها من الشعارات البرّاقة, التي ورثتها عن إعلام هتلر, لإرهاب الآخرين والتدخّل في شؤونهم الداخلية, عبر تدبير الانقلابات وشنّ الحروب وفرض العقوبات لإسقاط الأنظمة التي ترفض الانصياع لأوامرها, او تسعى لشق طريق مُستقل عن سياسة الإملاءات والغطرسة التي تُمارسها.

الداخل الاميركي بقي بعيدا عن الاضواء, رغم كل ما حفل به من تمييز وعنصرية واضطهاد للسود والأقليات العرقية والدينية, والإفراط في استخدام القوة والعنف. بل وتعذيب كل من ينادي بالمساواة والتزام الدستور الاميركي في التعاطي مع المواطنين, بعيدا عن الممارسات العنيفة ضد شرائح عرقية يرى السكان البيض ضرورة التخلص منها او التعاطي معها كمواطنين من الدرجة الثانية, ولهذا كثر في مجتمعات هؤلاء المُغلقة والمُفقّرة والمُستغلّة, الجريمة المنظمة والإغتصاب وتعاطي المخدرات والإتجار بالبشر, وغيرها من الممارسات والارتكابات التي دُفِعوا اليها وأُرغِموا عليها, بدفع وتشجيع من الشرطة وخصوصاً تواطؤ اجهزة إنفاذ القانون والعدالة, مع شرطة الولايات والبلديات وحتى تلك الاتحادية.

مُسارعة ترمب الى وصف المحتجين على خنق جورج فلويد بـ«البلطجيين» ولاحقا بان ما يحدث هو أعمال إرهاب داخلية, مُهدّدا بإرسال الجيش الى المدن والبلدات, التي يُبدي حُكامها تراخياً في وضع حد للاحتجاجات, يدفع للاعتقاد بان ترمب موشك على اتخاذ قرارات مُتهوّرة نحسب انها في المضمون (كما في الشكل) لا تختلف كثيرا عن تلك التي تتخذها «دول» أخرى غرّد وقال في حقها وحق قادتها كلاما قاسيا, مُلوّحا باتخاذ عقوبات واستخدام القوة العسكرية وتحريك الاساطيل.

أسقَط ترمب في السنوات الأربع التي مضت على انتخابه, الكثير من الهيبة الاميركية, لكن أهم «ضحاياه» ليس فقط الهيبة الاميركية, وانما ايضا وخصوصا «الاستثنائية» المزعومة التي طالما تبجّح بها هو.. وأسلافه.

kharroub@jpf.com.jo