كتب: عماد عبد الرحمن

الاردن بلد زراعي من طراز جيد لكن هذا القطاع تعرض لعوائق بنيوية كثيرة، بدءاً من هجر الاراضي الزراعية ونزوح الاسر الريفية الى المدن بحثا عن فرص عمل، ومرورا بتغيرات المناخ وشح المياه المخصصة للزراعة والتمدد العمراني، ومشاكل التسويق الزراعي والايدي العاملة،غالبيتها غير محلية، وديون المزارعين المتراكمة، وغيرها الكثير من الاسباب، التي أدت لإنخفاض مساهمة القطاع في الناتج القومي الاجمالي من 14 بالمئة عام 1974 الى نحو 3 بالمئة حالياً.

هل نستطيع أن نكون بلدا زراعياً مصدراً لمنتجاته ويتحقق الكفاف لمواطنينا؟

الصورة النمطية السائدة عن القطاع الزراعي، انه يمر في أزمة تسويق وكساد لمحاصيل معينة تدفع المزارعين في بعض الاحيان لإلقاء منتجاتهم على جوانب الطرق كتعبير رمزي عن معاناتهم، لكن الان مع المستجدات، خصوصاً بعد أزمة «كورونا»، التي ستجبر كثيراً من الدول والشعوب على تغيير نمط حياتها وإنفاقها وأولوياتها، والاتجاه نحو الانتاج بدلا من الاعتماد فقط على القطاعات الخدماتية، تدفعنا للاستفادة من ميزات الطقس وتنوعه (أغوار، بادية واراضٍ مرتفعة) والموقع الجغرافي المتميز وجودة منتجنا الزراعي، وقد لجأت وزارة الزراعة الى رفع موازنتها عام 2017 الى 69 مليون دينار، وبزيادة 9 ملايين عن العام سابقه، لكن هل يكفي ذلك لإنعاش هذا القطاع الواعد؟.

في الاردن، تقدر المساحة الاجمالية المزروعة ما نسبته 2.7 بالمئة فقط من مساحة المملكة، فيما تبلغ مساحة الاراضي الزراعية الصالحة للزراعة بالمملكة حوالي 18 بالمئة، المستغل منها فقط 5 بالمئة، كما بلغت كمية الانتاج الزراعي بكافة أصنافه حوالي 3.3 مليون طن تصدر منتجاتنا الى أكثر من 21 دولة عربية وأجنبية، وبقيمة تصل الى 240 مليون دينار يمكن زيادتها لتصل الى مليار دينار خلال ثلاث سنوات، اذا ما تم تطوير سلسلة الصادرات، إذا فالقطاع نافذة للأردن الى العالم ومصدر قدرة تنافسية عالية في الاقليم.

كما يمكن تعزيز العمالة المحلية خصوصا من الشباب للعمل في القطاع الزراعي، فنحن لا نحتاج الى مهندسين زراعيين موظفين، بل نحتاج الى مهندسين زراعيين مزارعين، يعملون في الارض ويستفيدون من علمهم في تعزيز الانتاجية الزراعية واستخدام الوسائل الحديثة، علماً ان هناك أكثر من 27 الف عامل أردني 90 بالمئة منهم من الذكور يشتغلون في هذا القطاع، الذين ورثوا المهنة من الاباء والاجداد، لكن نسبة كبيرة منهم لا تعتمد عليه كمصدر دخل وحيد لهم. بحيث لا نكتفي بالتعيينات الادارية بالوزارة والمديريات، لتذهب موازنة الوزارة للرواتب، بقدر ما نتجه لتعزيز العودة الى الارض وربط العمل بالقطاع بحوافز معينة، واستخدام ونقل التكنولوجيا كبديل عن القروض العالية للمزارعين من القطاعين العام والخاص، والتي تزيد بمجموعها على 350 مليون دينار، وتعميم التجارب الناجحة خصوصاً المبادرات الفردية الناجحة وتعميمها على اصحاب الحيازات الصغيرة، التي تشكل اغلبية المزارعين في الاردن.

توضع السياسات عادة، لغايات آنية ومستقبلية، وهناك نماذج ناجحة في الاقليم يمكن الاستفادة من تجربتها، خصوصا انه تتوفر في الاردن الارادة السياسية لإنعاش القطاع الزراعي وعلى أعلى المستويات، وقد سبق أعلان عام 2009 عاماً لإعادة الاعتبار للقطاع الزراعي، كل ما نحتاجه العودة الى الارض والتشبث بها من جديد، والاتجاه لتوطين التكنولوجيا مستفيدين من علاقاتنا مع دول رائدة في هذا المجال، والاتفاقيات الموقعة مع دول الاتحاد الاوروبي لتعزيز الصادرات، فجلالة الملك تحدث قبل أيام قليلة عن « التوجه نحو الزراعة» خصوصا الزراعات ذات القيمة المضافة العالية، لحماية الامن الغذائي للأردنيين وتعزيز الاعتماد على الذات وتوفير فرص عمل للشباب في هذا المجال.