عمان - شروق العصفور

قال الروائي والقاص الزميل محمد جميل خضر ان «ذاكرة القلب تمحو، كما يرى ماركيز، كل الذكريات السيئة، وتضخم الذكريات الطيبة، وترفع من قدرات تحمّلنا آلام الماضي ووباء الحاضر وضبابية المستقبل».

وكشف خضر خلال حوار مع الرأي بأنه يعكف في الوقت الراهن على رواية جديدة تحمل عنوان «الحب في زمن كورونا». مضيفا ان «المفارقة في الرواية أنها خالية من فيروس كورونا؛ هي باقة حب لأهلنا في غزة، حيث الحصار والعدوان الإسرائيلي المتكرر. تغوص الرواية في قصص الناس، تعاين أحلامهم، تتأمل كيف يمضي المحاصرون أيامهم، ويتدبرون أمورهم، ويفرحون ويعشقون، يعزفون على النايات والكمنجات ويحولون الأنفاق إلى أفق حياة».

وتاليا الحوار:

كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

فجأة يكتشف المرء أنه لا يعرف أسرته حق المعرفة. الالتزام بأوامر الدفاع في إطار مواجهة الجائحة الكونية التي تسبب بها فيروس كورونا، من منع التجول وحجر صحي ذاتي داخل جدران بيوتنا وتطبيق قواعد تواصل محددة، وشروط وآليات الخروج من المنازل لقضاء بعض الحاجات، منحني فرصة إعادة اكتشاف أشياء كثيرة حولي، كنت، على ما يبدو، أمرُّ عليها مرور الكرام. فجأة اكتشفت كم عمل البيت مضنٍ حتى لو كان مجرّد تكرار غسل الأواني مرّات ومرّات خلال اليوم الواحد. باغتني تغير القيم إلى كل هذا الحد بين جيلنا وجيل أبنائنا. نتحدث، نتناقش، نحضر يومياً فيلماً واحداً على الأقل خلال السهرة، معظم الأوقات الفيلم من اختياري، ومعظم الأحيان أبذل جهداً مضاعفاً لتتابع الأسرة الفيلم حتى نهايته، فما يروق لي تبيّن أنه لا يروق عادة لهم. مع الأيام تعودنا على بعضنا أكثر، وباتت ذائقتي موضع ثقتهم. وبقليل من التنازلات، تحولت جَمعتنا القصرية إلى فرصة استثنائية غير مرتب لها لنجتمع ثمانيتنا حول مائدة الطعام (تقضي ابنتي وزوجها وابنها فترة الحجر الجماعي معنا).

الدافعية الجَمْعية ارتفعت أيام التزام البيت، نخرج جميعنا للشرفات عند الثامنة مساء، نصفق للفرق الطبية، لجيشنا المغوار، للرجال الرجال الذين يسهرون على سلامتنا.

بوصفك مثقفا.. هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟

بصراحة هزت الجائحة بعض موثوقياتي، منها على سبيل المثال موثوقيتي حول قوة الاتحاد الأوروبي، وجعلتني أراجع بعض مقولاتي ومنها تكراري مئات المرّات أمام الأهل والأصدقاء والمعارف الإشارة إلى تجاوز القرية العجوز لعبة الحدود، والإشادة بهذا المنجز الإنساني الحضري اللافت على صعيد حرية التنقل والسفر، وعلى صعيد تقارب الأمم والبلدان والشعوب.

هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟ وماذا قرأت لو تقرأ الان؟

لا أنكر أنني أعدت قراءة الكولومبي الباتع غابرييل غارسيا ماركيز (1927-2014) خصوصاً روايته «الحب في زمن الكورونا» الصادرة عام 1985، أي بعد ثلاث سنوات من نيله نوبل الآداب.

فماركيز ينتصر في ختام الرواية للحياة، ويجعل من متواليةٍ كئيبةٍ كأن تظل سفينة تصل ضفة فتُمْنَع وتعود للضفة الأخرى، ثم تُمْنَع لتعود من حيث أتت، وهكذا دواليك، يجعل من هكذا بندولية، فسحة مدهشة ساحرة لِحُبٍّ جرت استعادته بعد واحد وخمسين عاماً وتسعة شهور وأربعة أيام من انتظار فلورينتينو اريثا لمحبوبته فيرمينا داثا. ومن بين عشرات الرسائل التي تضمنتها الرواية، فإن الرسالة الأعمق والأهم والأجلّ معنى، هي رسالة الحب، الذي يستطيع التمدد والتفرد والتجدد في أي وقت وأي مكان، ويكون أكثر زخماً وإلحاحاً وجنوناً كلما كان العشّاق أقرب إلى الموت.

خيال ماركيز الساحر، يعيد إنتاج الحب، يفرش له فوق السحاب بيتاً، ويخلق للعاشقين إلى جوار النوارس والحمام الزاجل جناحين، ما يجعلنا نستنتج أن الخيال هو أكثر ما يحتاجه العالم أمام هذه الجائحة، فالكوكب الخالي من الخيال هو كوكب عاجز عن مواجهة الأوبئة، وغير مؤهل لتجاوز محنة الواقع.

ذاكرة القلب تمحو، كما يرى ماركيز، كل الذكريات السيئة، وتضخم الذكريات الطيبة، وترفع من قدرات تحمّلنا آلام الماضي ووباء الحاضر وضبابية المستقبل.

هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

سأكشف سرّاً لم أكشفه لأحد قبل جريدتيالرأي، فأنا أعكف منذ أيام على رواية جديدة تحمل عنوان «الحب في زمن كورونا». المفارقة في الرواية أنها خالية من فيروس كورونا. هي باقة حب لأهلنا في غزة، حيث الحصار والعدوان الإسرائيلي المتكرر. تغوص الرواية في قصص الناس، تعاين أحلامهم، تتأمل كيف يمضي المحاصرون أيامهم، ويتدبرون أمورهم، ويفرحون ويعشقون، يعزفون على النايات والكمنجات ويحولون الأنفاق إلى أفق حياة.

هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب ما بعد كورونا؟

لستُ أشك في ذلك. فهل يعقل أن ما جرى للطليان والإسبان وأهل ووهان وباقي شعوب الأرض لن يحرك أقلام المبدعين؟

في بلدنا وما أن أعلن أصحاب القرار عزل بعض المناطق في إربد، حتى انبرى الشعراء يصدحون بحبهم لعروس الشمال، ويكتبون قصائد تقول للناس هناك إننا معهم، وإنهم ليسوا وحدهم.

كما أن الطاعون الذي ضرب في القرن الثامن عشر، مدينة وهران الجزائرية إبان الاحتلال الإسباني للمدينة والجزائر، حرّض قلم الكاتب الفرنسي ألبير كامو الذي أنجز من وحيه أهم رواياته «الطاعون».

فمدينة ووهان الصينية، التي انفلت منها فيروس كورونا، تذكرنا بمدينة وهران عند ألبير كامو: شوارع مهجورة وحرارة مفرطة تضرب السكان.. سفن تقفل عائدة، العزل، أكوام من الجثث، الطبيب لي وينليانغ الذي نشر وأذاع التحذيرات والإنذارات.. الطبيب الذي هزت وفاته الصين، تتشابه حالته مع شخصية الدكتور ريو في رواية كامو. لا وجود لمنحى سياسي عند هذا الكاتب الفرنسي العظيم، ولا حتى منحى سوسيولوجي لمدينة وهران، ولا لمزيد من الدراسات حول العلاقات بين الجزائريين والفرنسيين. تبحر وهران مثل شبح في هذا الكتاب الشعري الطافح بالسخرية.

برأيك، ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع.. هل بإمكانه أن يساند الاجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل والسلوك الترشيدي، وكيف؟

بالتأكيد يجب على المثقف لعب دور إيجابي في مواجهة هكذا جائحة، وإن لم يفعل فلا هو مثقف ولا ما يحزنون، فأصل مفردة مثقف لغوياً هو من ثقف الرمح أو السهم، أي سنّه وجعله قادراً على الوصول إلى غايته بدقَّةٍ وحدَّةٍ وفاعلية، فأين كثير (منّا) من أصل المفردة وتجليات معانيها، وضرورات تمثلها؟ ومتى يمكن أن يصبح المثقف العربي نفسه أنموذجاً، بدل أن يظل تائهاً في النبش داخل أكوام النماذج المعلّبة؟

منذ اليوم الأول لأمر الدفاع حول التزام البيوت، كوّنت مع سكان عمارتي مجموعة على الواتساب، وأعلنت لهم عبر رسائلي للمجموعة أننا الآن نواجه معاً أقداراً واحدة ووباء واحداً وعلينا أن ننسق جهودنا ونتعاون لما فيه مصلحة العمارة، فمصلحتها نواة لمصلحة الوطن كله. الرسالة الأهم التي أوصلتها لهم أن الجلوس في البيوت هو الخطوة الأولى نحو تجفيف منابع الوباء: لندعه (ينشف) قلت لهم.