دلندا الزغيدي

(كاتبة من تونس)

رفضت الحروف أن تنساب، هي أيضا أصابها الذّعر، فالتزمت بالحجر في أقاصي الرّوح. انتبذت سلمى مكانا ليس بالقصيّ إذ لا خيار لها، فالشقّة مُعَدَّة للإيواء فقط، صُمّمتْ على مقاس الوافد لتفي بضروراته القصوى، غرفتان وصالة ومطبخ وحمّام، هاجرت الزّهر والشّجر، وودّعت الجنان والقمر، لتتعلّق في قفص مربّع في الطّابق الرّابع لترى وجه الله على حدّ قولها، وبتوحّش الفيروس وتكاثره كخلايا سرطانيّة مستبدّة، لزمت سلمى الشقّة ولم تخرج إلّا للضّرورة القصوى التزاما منها بقرار اللّجنة العليا للتّعامل مع انتشار فيروس كورونا كوفيد 19 ومنع انتشاره.

استطابت الرّاحة بعد فصل دراسيّ استنفد منها كل طاقتها، أغدقت على الجدران والنّوافذ ذات الزّجاج الأخضر، والبلاط الأبيض بالمطهّرات والمعقّمات، توافدت الأنباء، وبثّت أخبار «الواتس أب» و«الماسنجر» الرّعب فيها، أحسّت أنّ جدران الغرفة تطبق على صدرها، فما تلبث أن تجلس على الأريكة، لتذهب إلى غرفتها لتستلقي على السّرير، وما إن تضع رأسها على المخدّة حتّى تتواتر رنّات الهاتف، تسرع لتصفّح ما ورد من أخبار ورسائل صوتية ومقاطع فيديو وتعليقات، ملتمسة بعض أنباء تهدّئ من هلعها، ولكنّها تغتمّ من هول أعداد المصابين المطّرد، تتمنّى أن تستقي نبأ يطمئنها على أمّها المسنّة، يهرب النّوم ليترك عينيها الذّابلتين تعانقان السّقف، يتآمر عليها الأرق وصوت المكيّف ليرسيا بها في موانئ السّهد، تسمع وشوشات ابنتها تهاتف صويحباتها، وضحكات ابنها الذي يلعب بـ «البلاي ستايشن» مع أصدقائه في مختلف أصقاع الأرض، تعدّل وضعية رأس زوجها لتلطّف من زفراته، يتململ جسدها ويتلظّى، فتنسلّ من تحت الغطاء لتقبع في الصّالة، تقلّب القنوات التّلفزية لتصفعها ببرامج تافهة أو مسلسلات مملّة، تنخرها الوحدة، وتحدّق فيها الجدران الباهتة.

تجثم على ركبتيها فوق الأريكة البنيّة الرّاكنة تحت النّافذة، تعلّق عينيها بسماء تتمرّغ فيها غيمات الرّدى، تتسلّل من بينها أسراب نجوم تطلّ بشفقة على الأمّ الزّرقاء التي أذّاها أبناؤها ليفترسها الوسخ بأنواعه. تمرّر بصرها على البنايات المطليّة بالباج، ذلك اللّون المهجّن المقيت اللّقيط، حطّت أقواس على شرفاتها وشبابيكها لتضفي عليها هالة من القداسة، شوارع مضاءة ولوحات بلّورية تُشِعُّ وتنطفئ كُتِب عليها أسماء البنايات: العبير الأندلس، الأماكن، تاج العارفين... وأسماء المحلّات الخالية والمطاعم المهجورة التي كانت قبيل أسبوعين تفوح منها رائحة الدّجاج المشوي، ومشاكيك لحم البقر والبوش، والقابولي والبرياني والزربيان والصّياديّة، باتت المدينة بلا أصوات ولا روائح، باتت جسدا بلا حواسّ.

يعبث بها الأرق ليرمي بها في الهزيع الأخير من اللّيل جسدا منهكا، تتعمّد أن تطيل المكوث في الفراش على غير عادتها، لقد كانت من محبّي النّهوض باكرا، والاستمتاع بالصّباحات الحيّة، تمشي على أطراف أصابعها كي لا توقظ النّيام الذين قلبوا إيقاع حياتهم، فأصبح ليلهم نهارا وبات نهارهم ليلا.

تدخل في دوّامة التّعقيم، فتفوح رائحة الكلوروكس ومطهّر الصّنوبر من مطبخها الضّيق، تفوح رائحة القهوة وتملأ الشّقة وتتسرّب لتملأ البناية الغارقة في السّبات، تفتح «الواتس أب» لتجد قائمة لا محدودة من الرسائل، تمسح ذاكرة الهاتف لتجدها في اليوم التالي متروسة بأنباء الكورونا، عدد المصابين المطّرد، مئات الأموات في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا. ضجرت بهذه الأنباء واقتصرت على التواصل مع حفنة من الأصدقاء.

قرأت منشورا أرسله لها زوجها: طبيب فرنسي على قناة «تي في 5» قال: «منذ بدأ انتشار الفيروس وموت المرضى، وأنا أشعر أنّني في حاجة للذهاب إلى طبيب نفساني، لكنّني اليوم أحسستُ وكأنّني أحترق من الدّاخل. لا.. أنا فعلا أحترق من الدّاخل. بعد أن توسّل لي مريض وهو يحتضر أن يرى أبناءه للمرّة الأخيرة، بعد إلحاحه وبكائه استجبت أنا والطّاقم الطّبي، وبدأنا في تجهيز المكان حتّى يتسنّى للأبناء الدّخول في أمان، وبعد اتّصالي بهم رفضوا أن يودّعوا أباهم خوفا من العدوى، حتّى إنّني توسّلتُ إليهم، ولكنّهم بكلّ بساطة أغلقوا الهاتف في وجهي».

قالت: أهو التشبّث بالحياة؟ ألا يدركون أنّ الوجه الآخر للحياة هو الموت؟ ما كان ضرّهم لو لبّوا أمنية أبيهم الأخيرة؟ هل سيهربون من الموت؟ ما لا يدركونه حقّا هو أنّ الموت سيدركهم حتّى لو احتموا داخل قبّة من زجاج. ما أقسى الحياة وما أرحم الموت!

ما زالت لم تستفق من رداءة هذا الخبر حتّى لحقتها رسالة من صديقتها، اعترافات طبيبة إسبانية: «بأمر سامٍ يطبّق كل الأطبّاء الآتي: نزع أجهزة التنفّس الاصطناعي من المصاب الذي يجاوز عمره خمسة وستّين عاما، لتوفير فرصة العلاج المصابين الشّباب».

قالت: «خسستِ أيّتها الدّنيا، إنّه قانون الغاب». وتساءلت: «هل يزداد الإنسان قسوة في الظّروف الحالكة؟ الرّحمة يا اللّه!».

وما زالت تدعو اللّطيف حتّى باغتها نبأ آخر أنّ مواطنين في بنزرت يأمرون بعدم دفن جثّة امرأة ماتت بسبب إصابتها بفيروس كورونا، ويطالبون بإحراق جثّتها.

لقد أخذت جرعتها مع الفائض هذا الصّباح، أخذت تذرع البيت فيلطمها جدار ليضربها آخر، أرادت أن تهرب من ذاتها، ولكن أين المفرّ؟ تمنّت لو تخرج من الشّقة، لكنّها أعرضت عن ذلك خشية أن تأتي بكارثة معها، ثمّ إلى أين ستذهب؟

اختنقت وكرهت الحياة التي أيقظت الشّر الكامن في الإنسان، أصبحت ترى النّاس شياطين مردة يقدّسون حياة ستؤول إلى موت لا محالة، فرّت إلى النّافذة ملتمسة هبّة أكسجين، رأت جبلا يسدّ الأفق يتاخمه مسجد ذو مئذنتين عانقتا سحابات عابرات لا مباليات بموت ولا بحياة، وأبوابَ بيوت مغلقة، وشارعا قفرا عوى فيه كلب متشرّد يشمّ الرصيف بحثا عن بقايا طعام يعزّ وجوده في مثل هذه الظّروف، انقادت عيناها نحو امرأة تجرّ ثوبها وتنشر الملابس على سطح البيت المقابل بدل الخادمة التي تعوّدت على رؤيتها وهي تقوم بهذه المهمّة، فقالت وقد ارتسمت على ثغرها ابتسامة متهكّمة: «القلق يعمل».

عاودت رنّات رسائل «الماسنجر»، هذه المرّة أطلّت عليها شامة وهي ترقص على أنغام:

«على حسب الريح ما يودي الريح ما يودّي

ويّاه أنا ماشي ماشي ولا مودّي»

وأرسلت: «ههههههه.. هذا هو حالي.. آش قولك؟».

ردّت سلمى: «ما أحلاكِ صديقتي، أنا أقرأ وأكتب وأشاهد أفلاما منتقاة، الآن سأشرع في كتابة قصّة عن الوضع في كورونا، وربّما سأُدخل دردشتنا هذه في مجريات أحداث القصّة، وقبل أن أنسى لقد كتبتُ قصّة تشبه حياتك كثيرا، سأخلّد اسمك في الكتب يا صديقتي».

ثمّ فاتحتها في موضوع ورشة الإبداع الأدبي التي تودّ تنفيذها في الصّيف، وعلّقت: «لعلّ الظروف غير مناسبة، لكن لو بطّلنا نحلم نموت».

ردّت شامة: «حفظك اللّه غاليتي، ونعمَ ما تقولين، أنا أخذت عهدا على نفسي، سأحلم إلى آخر لحظة من عمري».

ولجت هذه الدّردشة مكامن الأمل، فرأت شقّتها فسيحة تتّسع لآمال العالم كلّه، عبثت يداها في «كراتين» مرصوفة معدَّة للشحن، أخرجت منها نباتات الزّينة، والأشجار التّي اشترتها من «دانوب» و«الهوم سنتر»، والمزهريّات المتلألئة، زوّقت حيطان البيت بملصقات كثيفة الأوراق، ووضعت في أركان الغرف أشجارا، وملأت المزهريّات ورودا، واغتنمت من ملذّات الحاضر، رقصت، غنّت، فاحت الدّار بنكهات مأكولات عالميّة: المحشي المصري، البرياني الهندي، المقلوبة الأردنية، الهريس العماني وغيرها...

لعنت هاجس كورونا الذي سكنها ونغّص عيشها وقالت: «هل سيُخلَّدُ الانسان يوما؟ تبّا لخلود جسد سكنه هاجس الخوف من الفناء، ما قيمة هذا الجسد إن لم يكن وعاء للفرح؟ لن أدعك أيّها الفيروس الخبيث تعبث بانفتاح روحي، خذ جسدي إن استطعت، ولكن لن أمنحك روحي». انسابت الحروف، وسارت سلمى في دروب الحياة.