أبواب - وليد سليمان

جزيرة من البنايات والمحلات التجارية تقع مقابل الساحة الخارجية للمسجد الحسيني الكبير وسط البلد في عمان.. ويحيط بهذه الجزيرة المثلثة الشكل أربعة شوارع هي: شارع السعادة, وشارع الرضا, وشارع الهاشمي، وشارع فيصل..

وفي رأس هذه الجزيرة العمرانية كان يقع قديماً مبنى بلدية عمان .. وكانت قد أنشئت بلدية عمان في العام 1909 في العهد العثماني- وبلدية عمان هي ما يُعرف الآن في أيامنا الحاضرة بأمانة عمان الكبرى -.

وكان مبنى البلدية من طابق ثم فيما بعد من طابقين, وكان يُشرف المبنى وشُرفاته الواسعة على شارع أو ساحة الملك فيصل الشهيرة.

وقد تغيَّرقديماً الشكل المعماري لمبنى بلدية عمان عدة مرات عبر العقود القديمة من السنين.. ولكن تم هدم معظم بنايات ومحلات الجزيرة عام 1951وتقلصت الجزيرة ومبانيها لتوسيع شارعي السعادة والرضا اللذيْن يقعان على جانبي الجزيرة, وكان مبنى البلدية العثماني قد زال مع توسيع الشارعيْن.

وقديماً كان الخطباء يلقون كلماتهم مِن على شرفة مبنى البلدية ومنهم الملك المؤسس - سمو أمير البلاد الامير عبدالله الاول ابن الحسين – ايام الإمارة, حيث كان يقف أحياناً علي شرفات مبنى البلدية ليلقي كلماته السامية للجمهور الواقف تحت الشرفة المطلة على ساحة او شارع الملك فيصل الاول، وذلك في بعض المناسبات الوطنية والدينية الهامة في عمان.. بينما الجماهير تقف محتشدة تحت شرفة البلدية وما حولها مبتهجين فرحين.. ويُقال ان الشاعر عرار كان كذلك يقرأ أشعاره أو كلماته من على هذه الشرفة أيضاً.

أول رئيس للبلدية

اسماعيل أرسلان بابوق هو أول رئيس لبلدية في عمان عند إنشائها , فقد جاء بابوق مع أخويه كامل وماهر وأخته سورت خان إلى عمان حوالي 1885 مع دفعة من المهاجرين الشراكسة من عشيرة القبرطاي بعد انتهاء الحرب مع القيصرية الروسية.

وأقام بابوق هو وإخوانه في شارع المستشفى الإيطالي, حيث كان يُسمي ذلك الشارع في تلك الأيام بحي الأشرفية.

فقد عمل بابوق بعد قدومه الى عمان بالزراعة وتجارة المواشي، وكان من وجهاء عشيرته, وكان يجيد القراءة والكتابة باللغة العربية والتركية، وانتخب من قبل سكان مدينة عمان رئيساً للبلدية عام 1909، واستمر رئيساً للبلدية إلى العام 1911.

ساحة فيصل الكبرى

وكان مبنى البلدية يُشرف على شارع فيصل (حيث كان هذا الشارع قديماً مجرد ساحة ترابية واسعة جداً .. وقد سٌميت بعدة أسماء منها : ساحة البلدية, شارع الساعة, شارع السلط, ساحة فيصل.

و كان شارع فيصل أو«الساحة هذه قديماً تقام فيها العديد من الاستعراضات العسكرية والاحتفالات الكبيرة في وسط هذه الساحة, التي كان يؤمها الآلاف من المواطنين من كل أنحاء المملكة ومن ضيوف الاردن كذلك.. ومن تلك الاحتفالات الضخمة الاحتفال باستقلال الأردن عام 1946, وكذلك الاحتفال بتعريب الجيش الاردني عام 1956, وكذلك مرور موكب جنازة ملك العرب الشريف الحسين بن علي للذهاب الى مثواه الأخير في حرم المسجد الأقصى في القدس.

أفخم شارع في عمان

وفي شارع فيصل والذي كان يُعتبر من أرقى وأحدث الشوارع في عمان قديماً كانت تتواجد فيه بفترة العشرينيات حتى فترات لاحقة من السنين: عدة محطات وقود ومواقف سيارات وباصات الركاب، والمطاعم الشهيرة مثل: دار السرور والسلام وغيرهما، وبعض السينمات مثل سينما الفيومي او الفردوس, وسينما الإمارة الصيفية الشهيرة، وسينما عمان كذلك، وبعض الفنادق العريقة ايضاً مثل بلاط الرشيد وفندق بالاس، وبعض المقاهي الشهيرة مثل مقهى الشالاتي قرب سوق منكو, ومقهى حمدان الذي مكان سوق الذهب وقهى كوكب الشرق الآن.

جانب من شارع السعادة

وبما أنَّ هذه الجزيرة العمرانية تقع ما بين عدة شوارع منها شارع السعادة, فإننا سوف نذكر هنا الأماكن والمحلات والمساكن التي كانت تقع ضمن الجزيرة وتحاذي شارع السعادة فقط.

ومن تلك كانت بناية «أبو قاعود ديرانية» التي توجد في دخلة عُرفت أيضاً بدخلة «أبو قاعود» – والتي تواجه المسجد الحسيني والمقهى القديم» مقهى الجامعة العربية» وكان يوجد بها مقر «مدرسة العلوم الاسلامية» التي أسسها الوطني والصحفي صاحب جريدة الجزيرة » تيسر ظبيان»،ثم انتقلت الى شارع الشريعة في جبل اللويبدة.

دخلة «أبو قاعود»

ويقول حسن عقيل صاحب الذاكرة والفنان عضو جمعية التصوير الاردنية عن جد أمه (قاسم محمد عزيزية) انه سكن في وسط البلد بعمان منذ أوائل العشرينيات في القرن الماضي عندما جاء من الشام.

وكانت المنطقة التي بها منزله هي منطقة سوق السكر الآن حيث البيوت كانت معظمها من الطين, ثم انتقل جده ليسكن في منزل في زقاق أو دخلة (أبو قاعود) شارع السعادة.

ثم ارتحل جده إلى بيت في منطقه سوق منكو.. حيث لم يكن هناك سوق كالآن!! بل كان حياً سكنياً معظم قاطنيه من الشركس.. وأخيراً استقر في بيت بناه على الطراز الشرقي العربي من الحجر في جبل عمان قرب الدوار الأول.

وكان للجد قاسم عزيزية مطعم شهيرفي هذه الجزيرة (مطعم وحلويات عزيزية بمدخلين ينفذان الى «شارع السعادة» و«شارع الرضا» ثم انتقل بمطعمه إلى محل آخر قرب سينما زهران.. وهو من أوائل المطاعم في عمان حيث اشتهر بتقديم طعام الخضار وحلوى العوامة والبوظة العربية بدق العزم.

ويقول عقيل: إن هذا الشارع سُمي بالسعادة نسبة الى عائلة لآل سعادة التي قطنت فيه قديماً.. ضمن عائلات أخرى مثل: عائلة آل الطباع، وعائلة آل ديرانية في دخلة أبي قاعود.

لكن هناك من يقول أنَّ السبب في تسمية هذا الشارع العريق بِ «السعادة»! هو إنَّ أهل عمان قديماً في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لاحظوا أنَّ معظم محلات بيع الأقمشة وأدوات الزينة النسائية كانت في هذا الشارع, حيث أجواء الفرح والسعادة التي كانت تشعر بها نساء عمان وهن يتسوقن من محلات هذا الشارع الضيق الشبيه بالسوق - قبل توسيع هذا الشارع بهدم بعض المحلات من جانبي الجزيرة.

حمدي صبري الطباع

وأول بيت استأجره الوجيه والتاجر الشهير في عمان «صبري الطباع» كان في سوق أو دخلة أبو قاعود ديرانية، فنصف هذا البيت بنيّ من الطين حسب ذاكرة الحاج حمدي، ولم تكن هناك طرق، وحتى الكهرباء لا تصله إلّا لساعات معينة، قبل أن تنتقل الأسرة إلى بيت آخر في شارع خرفان في جبل عمان.

أبو شام للعطارة

أمَّا الحاج «عبدالله احمد ابو شام» المولود في عمان عام ١٩٠٠ والمتوفى عام ١٩٨٤, فقد أسس في عمان عام ١٩٢٥ أول مركز لبيع الاعشاب الطبية والعطارة.. وكان محله في شارع السعاده في أول دخلة أبو قاعود.

ثم بعد سنوات طويلة انتقل محل ابو شام الى شارع بسمان في عام ١٩٨٢, حيث مايزال المحل قائماً حتي وقتنا الحاضر بإدارة الابن احمد عبد الله ابو شام, الذي حمل راية ورسالة الآباء والاجداد, والذي تتلمذ في مهنة العطارة على يد والده عبدالله, والذي بدوره تتلمذ على يد والده احمد ابو شام.

وقصة احمد ابو شام الجد تبدأ من خلال احتكاكه مع البدو والتجارة معهم, وتعلمه منهم الشيء الكثير عن الأعشاب البرية والعطارة وفوائدها الصحية ومصادرها وأين تنمو!.

ومن الجدير بالذكر ان اسم أبو شام جاء من تجارة الجد احمد وسفره المتكرر الى الشام فأطلق عليه شراكسة عمان اسم ابو شام .

وكان محل ابو شام أول محل متخصص لبيع مثل هذه المواد في كل عمان آنذاك.

هذا وكانت معظم المحلات التجارية بجانب محل ابو شام مخصصة لبيع الملابس والنوفيتيه والأقمشة وما يتعلق بها.

جانب شارع الرضا

أما جانب شارع الرضا والذي كان من ضمن مباني الجزيرة فقد كانت تتواجد فيه الأماكن والمحلات التالية قديماً:

فعلى رأس الجزيرة كان هناك محل لبيع الزهور والورود ثم يأتي بعد ذلك محل عدنان الحمصي للقمصان.

ثم بعد ذلك محل فؤاد القزاز المتخصص بالكلفة مثل الأزرار والخيطان والأبر والدبابيس والشبر والتنتنا والبطانات والكتّافات وغيرها.

بعد ذلك عدة محلات لتجارة الملابس والأقمشة خاصة الأقمشة النسائية.

لنصل إلى دخلة، كذلك هي لمحلات لتجارة الأقمشة خاصة الأقمشة النسائية.

وفي نهاية الدخلة كان هناك محل واسع لأبي بشير الزميلي تُطلق على الدخلة اسم دخلة الزميلي.

بعد ذلك نمر على محل كبير لبيع الأقمشة وخلافه هو المعرض الأهلي لأصحابه عائلة الزميلي.

بعد ذلك محلات السمان لبيع الأقمشة النسائية، وتملكه عائله السمان التي كان لها محل كبير منوع في مدينة الزرقاء.. وقد رأوا أن يطرقوا باب العاصمة فقاموا بفتح هذا المحل، وكان يديره أحد أبنائهم. الذي كان يذهب ويعود إلى الزرقاء يومياً، رغم بعد تلك المسافة آنذاك. أما عندما كان يضطر لعدم العودة مساء إلى الزرقاء بسبب المطر أو غيره، فقد كان ينام على سرير في سدة المحل.

بعد ذلك نأتي على مكتبة كبيرة من بابين متخصصة ببيع القرطاسية لصاحبها اسماعيل الكردي.

وكان وما يزال من ضمن هذه المحلات التجارية محل الخياطة والأجواخ الرجالية لتجارٍ من عائلة لصوي.

ذكريات رفيق اللحام

أما الأب الروحي للفن التشكيلي الأردني فيقول عبر مذكرات حياته:

كانت عمان في نهاية الأربعينيات عروساً بكراً أقرب إلى القرية منها إلى المدينة، وكانت تحمل بعض مظاهر دمشق، وخاصة أيام احتفالات أهلها بالأعياد والمناسبات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف حيث ترفع الزينات قرب المسجد الحسيني الكبير وسط البلد، أو في شارع الملك فيصل.

وكانت العادة ان يُكسى «شارع السعادة» و«شارع الرضا» بالسجاد، ومن أمام بيت أبو قاعود ديرانية، في وسط البلد تبدأ جولات لاعبي السيف والترس، ويقوم الشباب بجولات وسط زحام المواطنين الذين جاءوا للاحتفال بهذه المناسبة، وكانت الحلوى والمرطبات تقدم مجاناً للجميع.