الرأي - رصد

قبل ثلاثة أيام، صرح طبيب إيطالي بارز بأن فيروس كورونا المستجد بدأ يفقد قوته وفتكه، لكن الفرحة لم تتم؛ إذ أتى الرد من منظمة الصحة العالمية التي نفت هذا الافتراض، مما يفتح باب التساؤل عن حقيقة ما نعرفه عن الفيروس، وهل ما نجهله أكثر مما نعرف؟

ويوم الأحد، قال الطبيب الإيطالي ألبرتو زانجريلو إن فيروس كورونا المستجد (سارس كوف 2) المسبب لمرض كوفيد-19 بدأ يفقد قوته وأصبح أقل فتكا، مضيفا "في حقيقة الأمر، الفيروس لم يعد موجودا إكلينيكيا في إيطاليا".

وأضاف لمحطة "آر إيه آي" التلفزيونية الإيطالية "المسحات التي أخذت على مدى الأيام العشرة الماضية أظهرت حمولة فيروسية متناهية الصغر من حيث الكمية مقارنة بالمسحات التي أخذت قبل شهر أو اثنين".

رد سريع

لكن بعد يوم واحد قالت ماريا فان كيرخوفي المتخصصة في علم الأوبئة في منظمة الصحة العالمية وعدد من الخبراء الآخرين في الفيروسات والأمراض المعدية؛ إن تصريحات زانجريلو لا يدعمها دليل علمي.

وقالوا إنه لا توجد بيانات تظهر أن فيروس كورونا المستجد يتغير بشكل كبير، سواء في طريقة انتقاله أو من ناحية شدة المرض الذي يسببه.

وقالت كيرخوفي للصحفيين "في ما يتعلق بإمكانية انتقاله لم يحدث تغيير، ومن حيث شدته لم يحدث تغيير".

وقال مارتن هيبرد أستاذ الأمراض المعدية الناشئة في كلية لندن للنظافة والطب الاستوائي إن الدراسات الكبيرة التي تبحث في التغيرات الجينية في فيروس "سارس-كوف-2" المسبب لكوفيد-19 لا تدعم بأي شكل فكرة أنه يصبح أقل قوة أو يضعف.

وقال "في وجود بيانات من أكثر من 35 ألف مجموعة جينية فيروسية كاملة لا يوجد دليل حاليا على أن هناك أي فرق في ما يتعلق بالحدة".

وقال زانجريلو -المعروف في إيطاليا بأنه طبيب رئيس الوزراء السابق سيلفيو بيرلسكوني- إن تصريحاته تدعمها دراسة أجراها زميله العالم ماسيمو كليمنتي وستنشر الأسبوع المقبل.

وقال زانجريلو لرويترز "لم نقل أبدا إن الفيروس تغير، قلنا إن التفاعل بين الفيروس وحامله تغير بالتأكيد".

وقال إن ذلك يمكن أن يكون بسبب الخصائص المختلفة للفيروس، التي قال إنها لم يتم تحديدها إلى الآن أو الخصائص المختلفة لمن أصيبوا.

وتقارن دراسة كليمنتي -الذي يشغل منصب مدير معمل الأحياء المجهري والفيروسي في مستشفى سان رفاييل- عينات فيروسية من مرضى بكوفيد-19 في المستشفى الموجود في ميلانو في مارس/آذار الماضي بعينات من مرضى بكوفيد-19 في مايو/أيار الماضي.

وقال زانجريلو "النتيجة كانت خالية من الغموض: كان هناك فرق كبير للغاية بين المسحات التي أُخذت من مرضى دخلوا المستشفى في مارس/آذار والعينات التي أخذت في الشهر الماضي".

وقال أوسكار ماكلين، وهو خبير في مركز البحوث الفيروسية في جامعة جلاسجو؛ إن الافتراضات القائلة إن الفيروس يضعف "لا يدعمها أي شيء في الأدبيات العلمية، وتبدو أيضا غير قابلة للتصديق على أسس جينية".

ما نجهله

هذا النقاش يفتح تساؤلات حول مدى معرفتنا الحقيقية بفيروس كورونا، ووفقا لمقال للكاتب جوسيف آبيستاين في وول ستريت جورنال، فإن أكثر الجوانب إثارة للغضب في ما يتعلق بفيروس كورونا قد يكون عدم اليقين بشأن تاريخ انتهائه.

وقال الكاتب إنه رغم الكلام الكثير عن الوصول إلى قمة الإصابات بالفيروس، وتسوية المسارات، وصعود أو هبوط حالات الإصابة، والعمل على إنتاج اللقاحات وإعادة فتح الاقتصاد تدريجيا، فإنه لا يمكن لأحد أن يقول عن يقين متى سينتهي خطر الفيروس، أو أنه لن يعود لاحقا بشكل أشد فتكا.

وبالنسبة للذين يملكون ما أطلق عليه هنري جيمس اسم "خيال الكارثة"، من السهل جدا إدراك أن الفيروس سيبقى سنة أو سنتين أخريين، وربما ثلاث سنوات.

وأثار الوجود الكئيب للفيروس توقا إلى العودة "للحياة الطبيعية"، وأصبحنا نستخدم عبارة "الوضع الطبيعي الجديد"، رغم أنه لا يوجد شيء طبيعي مهما كانت جدته حول الظروف التي أحدثها الوباء.

ولعل أبرز مظاهر الخلل هو الحضور الطاغي للأطباء في البرامج الإخبارية، وهذا الحضور الواسع مكن بعضهم من تحقيق الشهرة وأشياء أخرى.

وقال آبيستاين إن هؤلاء الأطباء -الذين تتنوع مجالات اختصاصهم؛ فبعضهم مختص في علم الأوبئة، وآخرون في علم المناعة، أو علم الفيروسات أو في الصحة العامة- يظهرون على شاشات التلفزيون ليغمرونا أحيانا بمعلومات أكثر مما يمكننا فهمه، يتحدثون عن النماذج والمنحنيات والأرقام والنسب المئوية، يخبروننا كل شيء باستثناء ما نريد معرفته: كيف بدأ فيروس كورونا، وإلى أين يتجه، ومتى سينتهي.

وأضاف الكاتب أن "سبب عدم قدرة الأطباء على المساعدة يرجع إلى كونهم لا يعرفون إجابات تلك الأسئلة. فمع مرور الوقت يبدأ المرء إدراك حقيقة أن المختصين في علم الأوبئة والمناعة والصحة العامة متساوون في كونهم يعرفون كل شيء باستثناء الأمور الحاسمة".

ويقول آبيستاين: يبدو أن العلم ليس لديه ما يقوله غير "اغسل يديك واحتفظ بمسافة من الآخرين". وقد تكون مكانة العلم أحد ضحايا فيروس كورونا الرئيسيين، تلك المكانة التي قد لا يكون قد تم الحصول عليها باستحقاق في كل الأوقات والأماكن، ولكن بما أن العلم مشروع بشري فهو عرضة لجميع الإخفاقات البشرية المعتادة، ورغم ذلك فهو كل ما لدينا.