عمّان - جوان الكردي

التدريس لا يعني فقط إعطاء معلومات للطالب، بل يشمل أيضا توعية الطلاب وغرس السلوكيات الإيجابية فيهم والقيم الاجتماعية النبيلة والأخلاق الحميدة، وبناء شخصياتهم الواعية والمنتمية والقادرة على التفكير النقدي والإبداعي وتقبل الآخر..

والجهة المسؤولة عن هذا في الأردن هي وزارة التربية والتعليم بشكل أساس. وهي، من اسمها، تقدِّم التربية على التعليم.. وهذا منصوص عليه في قانون التربية والتعليم وفي رؤية الوزارة وفلسفتها ورسالتها والقيم الجوهرية والأهداف العامة التي تهتدي بها وتسعى لتحقيقها.

وهي تؤكد ذلك، وثقته في الاستراتيجية التي تنفذها (2018 - 2022) المتوافقة والمتساوقة مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية البشرية للدولة (2016 - 2025).

وهذا لا يمكن تنميته دون وجود نموذج أو مثال واقعي يتجسد أمام الطلبة.

ولا يختلف أحد، مختصا كان أم مواطنا، على أن للمعلم (المربي) دورا كبيرا في تشكيل شخصية الطالب والتأثير على سلوكياته..

وهذا الجانب (أي التربوي) لا يمكن تحقيقه خلال عملية «التعليم عن بُعد» التي نفذتها وزارة التربية والتعليم خلال فترة أزمة جائحة كورونا، التي ما تزال تفعل فعلها وتلقي بتأثيراتها في مختلف المجالات في الأردن والعالم، ولا يظهر حتى الآن إلى متى ستستمر..

ويؤكد تربويون ومختصون ومعلمون أنه في التعليم عن بعد لا يستطيع المعلم أن يؤدي دوره في تربية الطالب، ويقتصر دوره على محاولة تعليمه فقط، لأن الطالب يحتاج للتفاعل المباشر مع المعلم لتقويمه.

فغياب دور المعلم، في معتقدهم، معناه شلّ جزء من حركة المدرسة وتعطيل قسم أساسي من تحقيق أهدافها.

ويذهب أكثر من تربوي إلى أن العملية التي أدارتها وزارة التربية والتعليم في فترة الجائحة هي تلقين وليس تعليما؛ وعلى رغم أن الوزارة حاولت أن تديم العملية التعليمية في ظرف طارئ في فترة الجائحة حرصا منها على «مصلحة الطلبة» وفق تعبيرها، إلا أن ذلك لا يعني أن مخرجات العملية مُرضية وسليمة وكافية وتشكل بديلا للأصل..

وما زاد من حراجة الأمر، وفقا لبعضهم، أن الحكومة قد أوحت للطلبة في المدارس والجامعات أن «الجميع ناجح» وهو ما أفقدهم كل حماس للتنافس، بل إن الأثر قد تجاوز الطالب ليؤثر على المعلم نفسه في عدم الاهتمام في التعلم.

أي أن الوزارة، وإن كان هناك جدل حيال مدى نجاحها في إجراء عملية «التعليم عن بعد»، وهو ما يشكك فيه كثير من التربويين والمعلمين وحتى الآباء والأمهات، فهي لم تستطع (إن لم تفشل) تحقيق الجانب التربوي المنوط بها، الذي تفوق أهميته، بكثير، الجانب التعليمي.

المعلم والبيئة المدرسية أساس التربية

ويعتبر المعلم في مدرسة ماريوسف الثانوية الشاملة بالزرقاء سائد عساف البيئة المدرسية أحد المكونات الأساسية لمفهوم الإبداع والموهبة، ومن الأهمية بمكان أن نميز بيئة مدرسية غنية بالمثيرات ومنفتحة على الخبرات والتحديات الخارجية وبيئة مدرسية فقيرة ومغلقة لا ترحب بالتجديد والتغير.

ويشرح عساف بالقول: يتشكل المناخ المدرسي من مجموعة من المتغيرات المادية والاجتماعية والإدارية التي تحكم العلاقة بين الأطراف ذات العلاقة بالعملية التربوية داخل المجتمع المدرسي وخارجه.

والبيئة المدرسية، برأيه، ينبغي أن تكون متكاملة، فمتى ما وجدت الإدارة الناجحة والمعلمين الأكفياء والمنهاج الجيد، والمبنى المتكامل من حيث الإعداد والتجهيز بالمختبرات المناسبة وغرف مصادر التعلم التي تحوي بين جنباتها الكتب والتقنية المتطورة مثل برامج الحاسب وشبكة المعلومات (الإنترنت) التي تفي باحتياج الطلاب المتميزين.

ويؤكد عساف بأن المعلم هو المحور الأساس في تقويم سلوك الطالب وذلك من خلال تصحيح المسلكيات الخاطئة لبعض الطلاب.. «فالطالب يعتبر المعلم الشخص المرادف لشخص والده فيحاول تقليده في كل تصرف، وبالتالي يكون المعلم حريصا في التعامل».

أما البيئة المدرسية فلها دور أساسي في «صقل شخصية الطالب التفاعلية».

ويلفت إلى أن المعلم لا يستطيع في «التعليم عن بعد» أن يؤدي دوره في تربية الطالب بل يقصر دوره على محاولة تعليمه فقط، لأن «طالبنا يحتاج للاحتكاك المباشر مع المعلم لتقويمه».

ويبين عساف بأن غياب دور المعلم معناه «شل جزء من حركة المدرسة وتعطيل قسم من تحقيق أهدافها»، فالمعلم هو الشخصية الموكول إليها تربية أبناء لم يكتمل نضجهم تماما, وهو الذي يأخذ دوراً فعالاً في العملية التربوية بكل أبعادها بالاشتراك مع البيت، ويساعد على الحفاظ على صحة التلاميذ الجسدية والنفسية، بما يقدمه من توعية للتلاميذ ويشجعهم ويرشدهم للحقيقة.

إضعاف دور المعلم

ويلفت الى أن الجميع لاحظوا إضعافا لدور المعلم في السنوات الأخيرة وبخاصة من خلال ربط أدائه داخل الغرفة الصفية مع عمله في الدروس الخصوصية والمنصات الإلكترونية، مما سبب شرخا كبيرا في الثقة بين المعلم وطلابه.

وهناك أيضاً كثرة تغيير نظام الإمتحانات والمناهج وطريقة طرح الأسئلة في الإمتحانات وبخاصة الثانوية العامة وعدم مقدرة المعلم على الإجابة على استفسارات الطلاب داخل الغرفة الصفية.

ويعلق عساف على أنه في السنوات السابقة بطرح امتحانات الثانوية العامة بطريقة صعبة جداً على الطالب مما أدى إلى تدني مستوى النجاح والعلامات وعندما سئل الوزير على التلفزيون الأردني عن سبب تدني المستوى العام للطلاب أجاب «اسألوا المعلمين» مما أضعف من قيمة المعلم الأردني وتسبب بعزوف بعض الدول العربية عن التعاقد معه.

تلقين وليس تعليماً

ويرى منسق تجمع معلمي الفيزياء الأستاذ حسن جبرين أن العملية الي تمت من خلال وزارة التربية والتعليم في فترة الجائحة هي «تلقين وليس تعليماً؛ ويقول إن الوزارة حاولت أن تستمر العملية التعليمية بظرف طارئ في فترة الجائحة حرصا منها على مصلحة الطلبة.

ولكن ما تبين من خلال الجائحة أن الوزارة «لا يوجد لديها خطط واضحة لأي ظرف، وهذا كان واضحا للجميع ولامس جميع البيوت من خلال المنصات أو التخبط بالقرارات وعدم وضوحها».

ويشرح بالقول: «لاحظنا أن الوزارة تتغنى بما قدمته بخصوص التعليم عن بعد علما بأن ما قامت به لا يمتُّ للتعليم عن بعد بأي صلة.. وإن كانت الوزارة تعتبر ما قدمته هو تعليم عن بعد؛ أعتقد أنه يجب إعادة النظر بمسؤوليها ومدرائها وخبرائها».

لأن ما قدمته الوزارة، برأيه، «لا يسمى بالتعليم عن بعد بل هو استمرار التعليم على طريقة التلقين. وأعتقد هذه الطريقة يمكن أن نطلق عليها (البعد عن التعليم) وليس التعليم عن بعد».

التربية والتعليم ركيزتهما المعلم

ويوضح جبرين بأن المعلم هو المحور الأساسي لأي عملية تربوية وتعليمية، ويشير إلى دراسة أجراها خبراء بجامعة أكسفورد البريطانية، حددت مجموعة من الأعمال التي لا يمكن الاستغناء فيها عن الموارد البشرية ومن ضمنها كان المعلمون من خلال العملية التعليمية والتربوية أحد هذه الأعمال.

وهو ينبه كذلك إلى أن البيئة المدرسية تعزز لدى الطالب العديد من المهارات المكتسبة؛ منها مهارة التواصل مع الآخرين وتعزيز الشخصية واستقلالها، ومهارة الحوار والنقاش مع الآخرين والمشاركة بالنشاطات المنهجية وغير المنهجية، بالإضافة لعملية التعليم بأشكاله كافة.

ويتساءل جبرين: ما هو الدور التربوي المطلوب من المعلم في عملية التعليم عن بعد؟ وهل طُلِب إليه القيام بهذا الدور خلالها؟ وهل جرى التوضيح له بكيفية أداء هذا الدور؟

ويشدد على أن «غياب المعلم» عن العملية التعليمية هو «غياب التعليم» وبخاصة بالمرحلة المدرسية..

إذ «تحول التعليم إلى مهارة للطفل وأهله، ولن يكون التعليم حينها إجباريا وأساسيا وحقا من حقوقه التي فرضها الدين والدولة وحقوق الانسان»، ويصف هذه الحال بأنها «كارثة بحد ذاتها».

ويشدد جبرين على أن «المعلم هو الأساس» ولا يوجد أي وسيلة أو طريقة تغني عن دوره بالعملية التعليمية، وإن كان هناك أي وسيلة فيجب أن تكون تحت إشرافه ومتابعته وإرشاده المباشر.

وهو يدعو إلى أن نميز بين التعليم والتعلّم، وبكلاهما غياب دور المعلم لن تنجح أي منهما؛ لأنه هو أساس التعليم والتعلّم.

التدريس ليس إعطاء معلومات فقط

مديرة البرامج الأجنبية بمدرسة خاصة منى عودة تقول: موضوع التدريس لا يعني فقط إعطاء معلومات للطالب، بل هو يشمل أيضا توعية الطلاب وغرس القيم والأخلاق فيهم، وهذا لا يمكن تنميته دون وجود نموذج أو مثال واقعي يتجسد أمامهم.

وهنا يأتي دور المعلم وكونه المثال الأعلى والقدوة للطالب في كيفية تصرفه وطريقة تفاعله في الحصة الصفية وكيفية وأسلوب المحادثة ومهارات الاتصال أثناء التعامل مع الطالب أو خلال إعطاء الحصة الصفية..

وتلفت عودة إلى أن كل هذه الأمور لا يمكن أن توجد في التعليم عن بعد لغياب الدور الفاعل والقيادي للمعلم في بناء شخصية الطالب وتهذيبها، وعدم وجوده فعلا بل يكون دور المعلم فقط في اعطاء المعلومة دون إبداء الوسيلة أو الطريقة السليمة في إعطاء تلك المعلومة.

كما لا يمكن أن نعتبر حصول الطالب على المعلومة وهو مستلقٍ على الأريكة أو أحيانا وهو في سريره دون وجود وضعية جلوس معقولة تمكنه من المناقشة والتهيؤ لاستقبال الدرس بشكل صحيح بطريقة تعلم صحيحة أو صحية.

وتشير عودة إلى غياب دور الحوار البنّاء بين الطلاب وبالتالي غياب تبادل الآراء والخبرات الواقعية الذي يخلق جو من عدم الواقعية وعدم القدرة على ممارسة مهارة الاتصال والتفاعل مع الاخرين.

المعلم يصوغ وجدان الطالب

رئيس قسم مناهج اللغة العربية في وزارة التربية والتعليم سابقا الدكتور عطاالله الحجايا يؤكّد أن «المعلم هو حجر الأساس في العمليتين التربوية والتعليمية» وهو «العنصر الأهم في نقل المعرفة وبناء شخصيّة الطالب وإكسابه السلوكيات والقيم المرغوب تحقيقها».

«فوجود المعلم» بين طلبته وحضوره الدائم وتفاعله الإنساني «أهم ما يصوغ وجدان الطالب وسلوكياته وشخصيته».

ويلاحظ الحجايا أن أهم عنصر يغيب في التعليم الإلكتروني هو «الحضور الفيزيائي (الحسي) للمعلم الذي يتعلم من خلاله الطالب..».

تحييد التربية وتغييبها

ويؤشر هنا إلى ما يتحدث عنه التربويون وهو ما يعرف بـ«المنهاج الخفي»، الذي يغيب بغياب المعلم القدوة؛ فالطلبة «يكتسبون عادة من معلميهم أكثر مما يتعلمونه من المنهاج».

ويرى أن ما جرى خلال الأزمة حرم الطالب من عوامل كثيرة مؤثرة في سلوكه وبناء شخصيته أهمها «المعلم والمدرسة والمجتمع المحيط والأقران والمسجد»، وهذه لها أثرها المهم في بناء الشخصية المتوازنة للطالب.

ويؤكد أنه إذا لم يكن هذا الحضور والتفاعل «وجها لوجه» فسيفقد الجانب التربوي في حياة الطالب أهم مكوناته.. «ونكون قد عزلنا الطالب تماما عن الجانب التربوي الذي تقوم عليه فلسفة التربية والتعليم ورسالة الوزارة وأهدافها وأساس وجودها».

ويحذر الحجايا من خطر الألعاب الإلكترونية؛ لأنها أصبحت الوسيلة الوحيدة في ظل غياب المعلم والبيئة المدرسية..

وهو يرد على من يقول أن العوامل الأخرى موجودة ومؤثرة بفاعلية في سلوك الطالب وشخصيته، وخصوصا الوسائل التكنولوجية والإنترنت والألعاب الإلكترونية منذ ما قبل كورونا بزمن طويل.. إذ يلفت إلى أنه قبل أزمة كورونا ووقف دوام الطلبة في المدارس والجامعات «كان يوجد عامل مواز وموازن هو المعلم».

لكن ما جرى ويجري الآن هو أن «أهم عامل تربوي جرى تحييده؛ وبعبارة أوضح: «دور المعلم التربوي الحاسم جرى إلغاؤه منذ ثلاثة شهور».

من الإضعاف إلى الإلغاء

وهو يؤكد أنه على رغم ما جرى خلال العقدين الأخيرين من إضعاف دور المعلم التربوي والتعليمي، إلا أنه «ما يزال موجودا وحاضرا وإن اعترى هذا الدور الضعف.. أما الآن، فهذا الدور ملغى ومعلق إلى أجل غير معلوم..».

ويحذر الحجايا من التفاؤل كثيرا بنجاح التعليم عن بعد، إذ إن نجاحه يلزمه أن يمتلك الطالب «الدافعية» والرغبة في التعلم..

إذ أن أهم محركات الدافعية هو «التنافس» الذي يغيب تماما في ظل التباعد الجسماني، حتى لو اعتمدنا على الصفوف الافتراضية فإنها تظل قاصرة عن تحقيق أجواء تنافسية بين التلاميذ.

وما عمّق المشكلة أكثر، برأيه، أن الحكومة قد أوحت للطلبة في المدارس والجامعات أن «الجميع ناجح» وهو ما أفقدهم كل حماس للتنافس، بل إن الأثر قد تجاوز الطالب ليؤثر على المعلم نفسه في عدم الاهتمام في العملية التعلمية.

الخطر أكبر على الأطفال

وتتفق المستشارة التربوية بشرى عربيات مع جبرين والحجايا بأن للمعلم (المربي) دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الطالب والتأثير على سلوكياته، وبأن هذا الجانب «لا يمكن تحقيقه أثناء التعليم عن بُعد؛ خصوصا إذا طالت المدة الزمنية».

أما عند التعامل مع المراحل الأساسية الدنيا فإن هذا التأثير «يكاد أن يكون معدوماً».

وتستدل على ذلك بما شاب مرحلة التقييم الإلكتروني هذا العام من «تشويه نتيجة اللجوء للغش بطريقة مباشرة أو بمساعدة أولياء الأمور أثناء تأدية الاختبارات التقييمية»، وهو ما يعمل على «تشويه القيم السلوكية مدى الحياة للأطفال، وتشويه القيم لمن تربى عليها من اليافعين».

وتوضح عربيات بأن البيئة المدرسية تعمل على التأثير على سلوك وشخصية الطالب أكان من المسؤولين داخل المدرسة (إدارة ومعلمين) أو من التفاعل بين الطلبة، ولا يمكن أن نغفل هذا العامل على تكوين شخصية الطالب وتقويم سلوكه.

وتشير عربيات الى أنه ربما يكون هناك تأثيرات سلبية في بعض الحالات من البيئة المدرسية على سلوك الطالب؛ والسبب يعود إلى فقدان المعلم القدوة في الآونة الأخيرة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً.

ولهذا فإن «تأثير البيئة المدرسية والإدارة يبدو واضحاً في تصرفات وسلوكيات الطلبة داخل وخارج أسوار المدرسة» إن كان سلباً أو إيجاباً.

هل نجح التعليم عن بعد؟

ولا تشكك عربيات فقط في انعدام الجانب التربوي خلال عملية «التعلم عن بعد»، بل هي تشكك في مدى نجاح العملية برمّتها.. «مع الأسف الشديد»، لعدة أسباب، لعل من أهمها ما يلي:

-المعلمون الذين كانوا على منصة درسك ليسوا من داخل وزارة التربية والتعليم، وليسوا معلمين في المدارس الحكومية. وبالتالي لا توجد لغة تواصل بينهم وبين الطلبة سوى المادة التعليمية، عندئذٍ يختفي الجانب التربوي تماماً، وخصوصاً المواد المسجلة على شاشات التلفزيون وعلى اليوتيوب.

-للأسف شاهدنا وسمعنا معلمين عبر كثير من المواقع وعلى منصة «درسك» يتلفظون بألفاظ غير تربوية أثناء الشرح، ما انعكس على الطلبة سلبياً، لأن هذه الألفاظ مستهجنة من أي تربوي أو معلم.

-لم يكن الدور التعليمي للمعلمين في فترة «التعليم عن بعد» على قدر كافٍ من المسؤولية، فكيف يمكن لمن يقصِّر في دوره التعليمي أن يبدع في الدور التربوي، إلا إذا كانت له أهداف شخصية للدعاية ليس أكثر!

-بعض معلمي المدارس الخاصة كانوا يعيدون كتابة المادة العلمية كما هي في الكتاب المدرسي، وهذا التصرف ستكون له تبعات نفسية على الطالب إضافة للتأثير السلبي في التحصيل العلمي.

-بعض المعلمين أعطى الأسئلة فبل الامتحان على شكل مراجعة، وكان التقييم الإلكتروني يشمل نفس الأسئلة، التي تحتوي أخطاء علمية، وبالتالي سيؤثر هذا على الجيل الحالي بعدم وجود مصداقية من المعلمين ومن المشرفين ومن المدارس الخاصة.

وبينما تشيد بوجود «فئة قليلة من المعلمين» تزرع الخير أينما كانت وبأي طريقة، أكان التعليم عن بُعد أو عن قرب، وربما تكون قد زرعت التفاؤل وحب العلم في نفوس الطلبة، وتوجيههم للاعتماد على النفس وعدم اللجوء للغش، وتعزيز الرقابة الذاتية أثناء تأدية الامتحانات الإلكترونية.

لكنها تستدرك بالقول: لا أرى أن هذه الفئة تشكّل نسبة كبيرة، ولذلك فإن تأثيرها كان ضعيفاً للأسف الشديد.

وتلفت عربيات إلى أنه منذ سنوات عديدة غاب الدور التربوي للمعلمين والمعلمات داخل المدارس الحكومية والخاصة، وكان من نتائجه تنامي «العنف المدرسي» من المعلم للطالب أو بين الطلبة أنفسهم.

وتبين عربيات أننا لمسنا آثار غياب أو ضعف الدور التربوي منذ سنوات مضت، غير أن الأسوأ، بتقديرها، أن «يستمر هذا الغياب إذا استمر التعليم عن بعد» فترة أطول، ما يؤدي إلى «فوضى مجتمعية» لا تُحمد عقباها، وبذلك «ستكون الوزارة قد ساهمت بشكلٍ مباشر وبعناية فائقة في القضاء على التربية والتعليم».

ضعف توفير البديل التربوي

ينبه أستاذ علم الاجتماع بجامعة مؤتة الدكتور رامي حباشنة عبر رؤية النظرية الوظيفية إلى أن أي مؤسسة داخل النظام الاجتماعي تؤدي دورا ووظيفة تسهم مع باقي وظائف المؤسسات إلى حفظ توازن المجتمع، وتناط دوما بمؤسسات التعليم وظيفتا التربية والتعليم.

وعليه؛ فإن التقصير أو الضعف في أي منهما يؤدي إلى «خلل وظيفي» كما يسمى في علم الاجتماع.

لذلك يمكن الاعتراف هنا بأن «التعليم عن بعد» استطاع حفظ نمط تعليمي بمضمون لا بأس به لكنه عانى من ضعف يتعلق بعملية توفير البديل التربوي..

بمعنى أن المعلم الذي يفقد الطالب تفاعله المباشر معه يفقد معه ميكانيزمات الضبط التي يوفرها التفاعل المباشر وفهم الإيماءات والإشارات الصادرة من التلميذ أو المعلم، وينسحب ذلك بالتأكيد على الإدارات المدرسية.

ويطرح الحباشنة هنا تساؤلا: أين وكيف يعالَج سلوك شاذ أو عدم منضبط لطالب عبر التفاعل الإلكتروني؟

ويتبع تساؤله بالإجابة: المعلمون ليس لديهم القدرة على تشخيص السلوك عن بعد أو تحويل الطالب إلى مصدر الضبط كالمدير أو المرشد النفسي أو الاجتماعي.

ووفق تحليله، فإن «اقتران التعليم بالتربية شكّل معادلة حياتية في المجتمع الأردني منذ تأسيس التعليم فيه»، لذلك «نحن أمام خيارين، أولهما: الارتقاء بعملية التعليم الإلكتروني لتكون مصاحباتها أوسع من مجرد شرح مادة دراسية..

أما الخيار الآخر فهو: الإعادة المنظمة لعملية التعليم المباشر بحيث يبقى الطالب مستشعرا للرقابة الرسمية من قبل معلمه ومدرسته، خصوصا أن سن الطلبة هو سن المراهقة التي يحتاج فيها التلميذ ضبطا وتعزيزا للقيم المعنوية والأخلاقية قبل التعمق العلمي.

الوزارة: «التربوي» موجود.. والوضع استثنائي

من جانبه يلفت الأمين العام لوزارة التربية والتعليم للشؤون التعليمية الدكتور نواف العجارمة إلى ضرورة ألا ننسى أن أكثر من مليار ونصف المليار طالب على مستوى العالم تأثروا بجائحة كورونا.

ويقر العجارمة أن التعليم عن بعد «ليس بديلا عن التعليم المباشر، ولكنه حاجة ضرورية في ظل هذا الظرف الاستثنائي الذي أثر على العالم جميعا وأثر على كل القطاعات».

وهو هنا يؤكد نجاح الوزارة في هذا المجال، إذ يقول: «راهنّا وكسبنا الرهان».

ومع أنه يعتقد بأنه عندما يواجه المعلم الطلبة هو «قطعا أفضل بكثير من أن يكون خلف التلفاز أو الفيديو»، إلا أنه يوضح بأن «الجانب التربوي موجود» ويدلل على ذلك بالقول: «من خلال تقديم الإرشادات والنصح من المعلمين للطلبة، أثناء إما التفاعل أو من خلال الدروس التي كان يجري بثها».

لكنه يعود ليؤكد أنه «ليس بمستوى التعليم المباشر، وقطعا هو ليس بديلا عن التعلم المباشر.. ولكن يجب على وزارة التربية والتعليم أن لا تستكين لهذه الجائحة.. والحمدلله لم يسقط الفصل الدراسي كما فعلت بعض الدول، ولم يغيب التعليم كما فعلت دول أخرى».

... وبعد؟؟

زبدة القول أن «الجانب التربوي» هو الأساس في فلسفة وجود الوزارة ورؤيتها ورسالتها وقيمها الجوهرية.. وهو ما ثبتته الوزارة على موقعها الإلكتروني، وفي استراتيجيتها، فعلى الموقع الإلكتروني للوزارة نجد:

الرؤية: مجتمع تربوي ريادي مُنتمٍ مشارك ملتزم بالقيم نهجه العلم والتميز وصولاً للعالمية.

الرسالة: توفير فرص متكافئة للحصول على تعليم عالي الجودة يمكن المتعلم من التفكير العلمي الإبداعي الناقد، والعمل بروح الفريق، والتعلم مدى الحياة، والتزود بالمهارات والقيم؛ ليكونوا مواطنين فاعلين منتمين إلى وطنهم مساهمين في رفعة العالم والإنسانية.

القيم الجوهرية: الحرية، والعدالة والمساوة، والمواطنة الصالحة، والانتماء، والوسطية، واحترام الرأي والرأي الآخر، والشفافية، والمسؤولية، والريادة، وبناء شراكات فاعلة.

وتفصل الوزارة أكثر حول أساس وجودها، في قانون التربية والتعليم، على امتداد الصفحات الأولى منه: الفصل الثاني - فلسفة التربية وأهدافها (المادة 3) والأهداف العامة (المادة 4) ومبادىء السياسة التربوية (المادة 5).

بمعنى أن الوزارة إذا لم تحقق هذا الجانب الأساس من دورها الذي يعتمد عليه وجودها، فإن اختلالات كبيرة ستحدث في المجتمع والدولة معا، وربما صار ضروريا تغير اسمها، أو شطب كلمة «التربية» منه.. والبحث عن بديل يحقق هذا الجانب الجذري في بناء ونماء وبقاء المجتمع والدولة.

غير أن الأخطر في المسألة كلها هو أنه حتى الآن هو: متى ستنتهي؟ ومتى يعود الطلاب إلى مدارسهم ومعلميهم؟ وإلى متى سيبقى الجانب التربوي للمدرسة والمعلم غائبا؟ وما هي الكُلَف المترتبة مجتمعيا على استمرار هذا الغياب؟ ومدى خطورتها؟