عندما أطلّت الرأي في مثل هذا اليوم عام 1971 رافعة باللون الأزرق خريطة العالم العربي.. كانت ساحة الصحافة الورقية الاردنية فقيرة حدود العدم، وباستثناء الزميلة الدستور التي لم يزد عمرها حينذاك عن أربعة اعوام (28 آذار 1967)، فإن عدد الصحف اليومية التي (صمدت) حتى الثاني من حزيران 1971.. كان لا يزيد على عدد اصابع اليد الواحدة...بل أقل من ذلك، ما منح الرأي الوليدة فرصة التعاطي مع الشأنين الوطني والعربي, الذي كان تحت وطأة نكسة حزيران وان كانت عوامل الصمود قد بدأت تتجذّر في اراضي الدول المحيطة بالكيان الغاصب على اكثر, من صعيد مُقاوم ارتفعت معنوياته عاليا بعد معركة الكرامة الخالدة التي ارسلت أُكذوبة الجيش الذي لا يُقهر الى مزبلة التاريخ, ثم رفدتها حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية بدعم هائل, بعد ان تبيّن أن «الهزيمة» لم تكن سوى نِتاج، جهل كبير في الاستعداد وغياب التخطيط الاستراتيجي, الذي لا يُهمل عوامل القوة التي توفّر عليها العدو الصهيوني وبخاصة في التحالفات الاستراتيجية التي نسجها مع القوى العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة, بعد ان كانت الامبراطورية الفرنسية المُتراجِعة قد احتضنتها وزودتها بالسلاحين الجوي والنووي (مُفاعِل ديمونا), وبخاصة ان نجم الامبراطورية البريطانية الآفلة قد بدأ بالانحسار, بعد ان أدّت «واجبها» في تنفيذ وعد بلفور والتآمر على الشعب الفلسطيني وباقي الشعوب العربية, التي كانت تحت سطوة استعمارها الغاشم.

ما علينا..

نجم الرأي صعد في فضاء الإعلام الأردني الذي عانى هو الآخر من مَطبّات عديدة, لم يلبث ان تلقى جرعة دعم قوية عندما انفتحت الرأي كل الاراء والتوجّهات ولم تبخل على القارئ الاردني (كذلك على العربي الذي اطّلع على الصحيفة ورقياً وبشكل ملموس ومباشر, عندما لم يكن هناك انترنت ولا هواتف نقّالة ولا واتس اب او منصّات تواصل اجتماعي), مُعتمدة الرأي شبكة مراسلين من معظم الدول العربية ذات التأثير في السياسات العربية الفاعلة (ذاك الزمان), مُعلّية صوت الرفض الحاسم لكل محاولات التطبيع مع العدو او الخضوع لمنطق المساومة والجنوح لتيار الاستسلام الذي بدأ يطل برأسه في ذلك الوقت، ما أسهم ضمن امور اخرى في عُلوّ قيمة وقامة «الراي» والسياسات الاردنية بشكل عام في الفضاء العربي, وكان ان انخرطت الرأي في إحدى معارك الامة الحاسمة واقصد بذلك ذهاب السادات الى القدس وقبعات اتفاق كامب ديفيد ومعاهدة الصلح المُنفرد المصرية/الاسرائيلية, على نحو باتت عمّان ركنا أصيلاً ورئيسياً في محاصرة تلك المعاهدة والحدّ من تأثيراتها الكارثية, وبخاصة ان الرأي كانت الصوت المدوّي والداعم لحرب اكتوبر 73 التي ما لبثت ان تحوّلت الى كابوس عربي ثقيل, بعد ان تم توظيف اهدافها الى غير ما كانت تطمح اليه شعوب الامة وتُراهن عليه.

هل تسألون عن نجاحات الرأي «المالية»؟

نعم كانت «أرباح» الرأي النقدية (غير أرباحها المعنوية الهائلة ووصولها الى مدن وقرى وبوادي الاردن ومخيماته, بالتحقيقات وفتح المكاتب وتوسيع نشاط المندوبين الميدانيّين) تتصاعد ارقامها على نحو مليوني, وغدت نجاحاتها في هذا الشأن مضرب الامثال، رفدت خزينة الدولة كضرائب بالملايين, وأسهمَت في رفع المستوى المعيشي والمهني لأسرتها الصحافية والادارية, على نحو لم يكن احد يتصوّر ان «ثُلّة» كهذه توفّرت على ادارة حصيفة و«رهط» من الصحافيين الشباب, وخصوصاً «كتيبة» من كتّاب المقالات والأعمدة نجحت في استقطابهم, فكانت «نُسخها» اليومية تنفد من الاسواق قبل ظهر كل يوم.

ماذا عن اليوم؟.. سؤال برسم كل من يَهمّه الامر, لكن الذي يجب ان لا يغيب عن الذهن, ان الرأي (كما زميلاتها) قادرة على تجاوز أزمتها الراهنة بأسرع مما يتصوّر احد.. لو توفّر لها دعم مالي (المُستَردّ بالتأكيد) يُقيلها من عثرتها, ويُعجّل في تجديد انطلاقَتِها.

kharroub@jpf.com.jo