الولوج إلى الرأي كان في بداية الثمانينيات، فقد ابصرت فيها اول مرة موظف المقسم المرحوم محمد فلاح والمرحوم الاستاذ نظمي السعيد عند دخوله، وقد كنت من الحريصين على قراءة كل ما يكتبه في الصفحة الرياضية، واودّ مقابلته.

سارت الأيام واذ اتعرّف إلى «جيش» قليل العدد مدجج بالمهنة والمحبة، لم أميز من هو المدير والسكرتير والمحرر والمسؤول عن التصحيح وعن الطباعة والاخراج، فالجميع خلية واحدة، ورئيس التحرير محمود الكايد.

لا أريد أن اعرض المنغصات مع رؤساء تحرير من بعد «الكايد»، فمنهم من هددني بالفصل، ومثل هذه الامور من طبيعة العمل.

قال الاستاذ الكايد في أكثر من واقعة حدثت » من يحب جريدته عليه أن يتحّمل الظرف ومن يخرج من باب الرأي يغلقه وراءه »، فأخذت بالأولى، وتركت الثانية لعالم الغيب.

كنت في زيارة الى أميركا، واذ برئيس التحرير الجديد الاستاذ راكان السعايدة يطلب «المرور» عند العودة.

المؤسسات الناجحة تصنعها ادارات ناجحة، وهكذا بدأت الرأي عندما وضعها المرحوم وصفي التل «وديعة» لتكون الناطق بإسم الدولة الاردنية.

والمؤسسات الناجحة هي التي تحقق انجازات على الأرض، وتلقى الاهتمام من رأس الدولة، والراحل الحسين وضع الرأي في صلب اهتماماته. ظلت الرأي فنجان الصباح، عند الحسين، هكذا قال قريبون من الملك، ولكنه دخلها في مبناها القديم ذات يوم معاتباً، وقد خرج غاضباً، فهولا يريد ان تكون أي مؤسسة وطنية محل نزاعات، فالمسؤولية تعني عنده، وضع الأمور في نصابها، وبالنسبة لـ الرأي فلا احد يشكك بوطنية اقلامها، وكذلك بقية الاقلام الاردنية، وقد قال وفعل. ظلت الرأي في عنفوان إعلامها وعنوان مهنية شبابها، وإن تفاوتت الأعمار، وكان التنافس بين الزملاء على أشده للحصول على «خبر السبق»، وأكثر من هذا، أن «يبذر» الزميل ما أتى به من الميدان أو المكتب على أكبر مساحة من صفحات الصحيفة المخصصة لتلك الأخبار، حتى ان رئيس قسم الاعلانات الزميل سليم سماوي انتزع الصفحة بغضب، من يد كاتب هذه السطور، بعدما اعترضت على المساحة التي اقتطعها للإعلان، وكذلك كان يفعل زميله بالقسم نايف الطراونة. توسعت الرأي بمبانيها، وارتفع سهمها، وكثرالعاملون، واخذت الرأي تصرف رواتب الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر، ولا غرابة فهذه الصحيفة الأولى تلتهم صفحاتها الاعلانات، حتى طوّقت خبر رحيل الحسين، وفي أيامها العادية ظلت على تلك الصورة.

قالوا: الرأي صحيفة إعلانات، وهذا غير صحيح، لأن الاعلان خبر في الصحافة، وقالوا: من لم يُنع في الرأي لم يمت، وهذا صحيح، لأن العامة من الناس لا تعرف برحيله إلا متأخراً، أما المطبعة وتخطّي حاجزالمئة الف نسخة، فقد تكرر العدد مراراً، وطيّب الذكر «العم» سعود العبادي ظل «شاهداً على العصر» وحتى مطلع الفجر.

على غير موعد، جاء جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الرأي، صافحنا على عجل، وبمقتضب الكلام «قال يعطيكم العافية، ما بدّي اعطلكم عن شغلكم» وكان خص الرأي بمقابلة عريضة، أبدى فيها جلالته رضاه الكامل بما تقوم به الرأي، مسلطاً الضوء على قضايا كثيرة، فقد دخلها راضياً وخرج مبتسماً.

هذا الانحياز لـالرأي،لا نملّ من تكرار اسمها، ظل العاملون فيها يواصلون الليل بالنهار، رغم عدم توافر أدوات التكنولوجيا وما قدمته لاحقاً من تسهيلات على طبق من ذهب لأهل الاعلام.

جاءت سنوات عجاف على الرأي لتلقي بكل ارتداداتها وما حملته من مديونية بوجه رئاسة الزميل السعايدة، حيث تمر الرأي بأزمة لم يتوقعها أي إنسان، مع أن مؤشرات كثيرة كانت تنبئ بأن الصحافة الورقية ستكون في «عين العاصفة».

سياسات حكومية خاطئة بامتياز، جعلت الرأي في مهب الريح، ولتحصد الرأي شوكها اليوم، وقد أدمت حروف اسمها إلى حد «البتر» إلا إذا ما عاد وابتسم لها (أبو الحسين)، وليس هذا ببعيد، فـ الرأي على عهدها الوطني، في يسرها وعسرها، وفي عيدها الخمسين تقول الرأي كما قال جلالته «شدّة وبتزول».

Ahmad.h.alhusban@gmail.com