عادت الرأي الورقية والعود أحمد.. عادت بعيدها التاسع والأربعين.. محتفلين اليوم الثلاثاء/الثاني من حزيران/ بعيدها السنوي من جهة وعودتها للظهور ورقيا للظهور من جهة أخرى فكل عام وصحيفتنا الغراء بألف خير..

فالرأي التي اطلت على العالم برؤيتها المتميزة بالثاني من حزيران عام 1971 بعهد رئيس الوزراء وصفي التل أحد المؤسسين لهذه الصحيفة.. بعد ان تعطلت الصحف بالضفة الغربية بسبب الاحتلال.. وبناء على أوامره تقرر أن تصدر «الرأي» یوم 1 يونيو 1971 وصدرت بالفعل، وعندما اطلع علیها لم یوافق على نشر العدد الأول بهذه الصورة، وكتب بقلمه ملاحظات تتضمن بعض التصویبات في الشكل والمحتوى، وأمر بإصدار العدد الأول في الیوم التالي (یوم 2 يونيو 1971) لتصبح الرأي للجميع بمثابة منصة اعلامية مؤثرة..

ومنذ ذلك اليوم والصحيفة الغراء السباقة تستمر بالظهور نستقبلها بلهفة مع فنجان القهوة الصباحي وتغريدات فيروزية تنبعث من راديو قريب بتوليفة ثلاثية لا مثيل لها.. طقوس صباحية افتقدناها بالحجر الصحي عندما غابت عنا صحيفتنا العزيزة العريقة الذي كان لي الشرف ان اكتب فيها على مدى ثلاثة عقود

وأرتأي بهذه المناسبة الاستثنائية أن اعود الى الوراء قليلا ليس لاجترار الذكريات وإنما لأربط قصة مسيرتي مع الرأي مفتخرة لأن تكون جزءا من مسيرتها الكلية..

اذكر في بداية التسعينات وبحرب الخليج الأولى حينما تجمعت كل قوى العالم لضرب العراق بينما وقف الأردن وحيدا يدعو لحل الأزمة سلميا وداخليا ليتلقى الضربات جزاء دعمه للعراق الشقيق..

قادتني سيارتي في ذلك الصباح المشرق البارد والشوارع الخالية تمتد امامي والأجواء المشحونة المتوترة تلقي بشرارها على البشر والشجر والحجرحملت مقالتي في ذلك اليوم.. مقالة وطنية حماسية تناهض العدوان تعَرْقَل نشرها بصحيفة أخرى كنت عادة انشر بها فطرقتُ باب الرأي..

كانت السكرتيرة «ماجدة» تجلس مقابل مكتبها .. فطلبت منها مقابلة رئيس التحرير آنذاك الأستاذ محمود الكايد.. فأشارت الى مكتبه المفتوح لأدخل بكل بساطة.. لم اصدق ان تتم المقابلة مع هذه القمة الشامخة بهذه السهولة فقابلني «ابو عزمي » بحينها مرحبا بكل سلاسة وبدون تعقيدات..

هكذا قدمتُ له مقالتي فاطلع عليها وأجاز نشرها..ومنذ ذلك اليوم ارتبطت برباط وثيق بالرأي التي اعتبرها الحاضنة الأولى لي اضافة الى الجهات الأخرى التي لم تقصر ابدا برعايتي.. وفعلا كل رؤساء التحرير ساروا على منهاج ابوعزمي رحمه الله..

ونعود للعصر الكوروني كم شعرنا جميعنا بالأسف لغياب الرأي الورقية اثناء الجائحة صحيح انني كنت اطلع عليها الكترونيا ومضت مقالتي الأسبوعية تظهر رقميا كالعادة لكنني شعرت كأني اكتب بعالم افتراضي ستختفي سطوره الرقمية بثوان معدودات بعكس الحبر والورق المعهوديْن وملمس الجريدة بحنيّته التي تلامس القلب والعقل والوجدان..وقبلنا مؤقتا مرغمين ببديل ديجيتالي يخفف من شوق الغياب..صحيح ان المضمون واحد ولكن الصحف الورقية لها طعم من نوع آخر.. ولهذا يا حبذا خلق حالة من التوازن بين الورقي والديجيتالي ليكملا بعضهما عبر توليفة ثنائية تختار الأحسن من كليهما..

وأخيرا عدنا.. والعود أحمد!