د عامر العورتاني

آخصائي علم الاجتماع

Dr.Amer.Awartani@Gmail.com

« أقوم بفتح الكمبيوتر، أنتظر بفارغ الصبر حتى يتصل بالإنترنت وينحبس نفسي في صدري....لا أعد أسمع شيئا ولا حتى أي صوت من شوارع نيويورك، فقط صوت دقات قلبي فأنا لدي رسالة منك أنت » عبارة من الفيلم الرومانسي الشهير You've Got Mail الذي يروي قصة الثنائي كاثلين Meg Rayan المثقفة التي تمتلك مكتبة بسيطة ورثتها عن والدتها على زاوية أحد شوارع مدينة نيويورك، وجو Tom Hanks التاجر الكبير الذي قام بإنشاء مكتبة حديثة وضخمة مقابل مكتبتها في ذات الشارع، فتدور أحداث الفيلم حول علاقة الخصومة التي جمعت الثنائي في الحياة الواقعية، في الوقت الذي تجمعهما علاقة رومانسية في غاية العذوبة في عالم التواصل الافتراضي عبر الإنترنت دون علم أحدهما بذلك، ولقد نجحت كاتبة الفيلم والمخرجة نورا ايفرون قبل 22 عاما في تخيّل شكل العلاقات الإنسانية في عصر الإنترنت، لتبدو ظاهرة البريد الإلكتروني التي شكلت حبكة الفيلم على أساسها قديمة اليوم إذا ما قورنت بعالم العلاقات الذي تحكمه تقنيات الشبكات الاجتماعية.

ففي عالم وسائل الإعلام الاجتماعي Social Media كالمدونات Blogs، والويكي Wiki، والمفضلات الاجتماعية Social Net Work Marking Sites وكذلك الشبكات الاجتماعية Social Net Work مثل الفيس بوك Face Book ، ولينكد ان Linked In ،وانستغرام Instagram، وغيرها تستخدم تكنولوجيا الإنترنت والتقنيات المتنقلة لتبادل المعلومات وتحويل الإتصالات إلى حوار تفاعلي عبر فرص الإتصال داخل الشبكات، وإنشاء المجموعات المختارة لمشاركة المعلومات، والشبكات الإجتماعية هي إحد تخصصات علم الاجتماع والذي يهتم بتطوير نظريات وأساليب لدراسة العلاقات بين الناس والكيانات الاجتماعية التي تتم في مجتمع الحاسوب وتقنياته.

وفي الوقت الذي يشكل فيه الإعلام التقليدي عملية إعلامية متكاملة تبدأ بالحصول على المعلومات وصياغتها على شكل خبر صحفي مرورا بمراحل التحرير والنشر مراعيا أقصى درجات الدقة والمصداقية والموضوعية، فإن الإعلام الإجتماعي يعتمد في محتواه على ما ينشئه المستخدمون عبر وسائله المختلفة، مع إمكانية تبادل هذا المحتوى عبر الشبكات المختلفة من خلال مشاركة المنشورات وإعادة التغريد على نطاق عالمي ، حيث يتسم الإعلام الاجتماعي وما يتم تبادله عبر الشبكات الاجتماعية بكونه شاملا لكل أشكال المحتوى من صوت وصورة وفيديو ونصوص، مع إمكانية حفظها ونقلها في أي وقت، وهو ما لا ينفي أنها قد تفتقر في بعض الحالات إلى عناصر الكتابة، كما أنها لا تلتزم بضوابط العمل الصحفي وأخلاقياته في الغالب، ما يجعل جزءا كبيرا من معلوماتها سطحية تخلو من معايير البحث العلمي، إضافة لكونها متناثرة ومجتزأة من أماكن مختلفة، ما يجعلها متضاربة ومتباينة ، وبالرغم من ذلك فإنها تحظى بإقبال جماهيري واسع النطاق، حتى أنها باتت مقصدا للإعلام التقليدي نفسه لزيادة أعداد متابعيه.

إذا فإن وجود هذه التقنيات وما تتيحه من فرص لإنتاج المعارف المتبادلة، وما تمثله من كونها أرشيفا يوثق ذكريات المستخدمين يعني فرصة حقيقية للتعبير عن الذات في عصر الثقافة الرقمية، ما أدى إلى إيجاد مجتمع من صانعي المحتوى الإعلامي الإجتماعي، فلم تعد العلاقات الإنسانية كما عهدتها البشرية، فخلف شاشة هاتفك النقال تقبع أعداد من الشخصيات التي تختلف في أهدافها، وأولوياتها، وقيمها، واتجاهاتها، وسيكولوجيتها، وهي معك بلمسة خاطفة على الساحرة المسطحة، فمنها من يقنعك، أو يبهرك، ومنها من يزعجك أو يستفزك، فتجد نفسك متفاعلا معها حتى وأنت تعارضها، متخليا عن جزء منك لها، فهي حاضرة بتكرار متجدد فتسكنك وترغمك وأنت راض على دخول حفرة الأرنب الأنيق، لتجد نفسك في عالم افتراضي من عجائب التكنولوجيا، وبلمسة خاطفة أخرى تعود إلى عالم الواقع.

ففي دراسة أجرتها جامعة وينشستر البريطانية، خلص د. دافيد جليز إلى وجود عدد من أنماط الشخصيات التي تستخدم وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعية، والتي قد يكون سلوك الواحدة منها على فيسبوك مثلا غيره تماما على انستغرام أو تويتر في ذات الوقت. فما أن يبدأ الفرد بإنشاء حساب له على إحدى وسائل الإعلام أو الشبكات الإجتماعية حتى يتحدد اتجاهه من تلك الوسائل في غضون أول شهرين لاستخدامه لها، فإما أن يكون من نمط الألتراس المدمنين وبتعصب لحساباتهم الشخصية، فتراهم دائمي التفقد لها خلال اليوم، أو أن يكونوا ضمن نمط الفئة المتصفحة فقط دون الانتظام في تفقد الحساب الشخصي، وهناك نمط الفئة المنكرة الذين تراهم يقللون من أهمية هذه الوسائل وينتقدونها باستمرار، لكنهم في نفس الوقت يشعرون بالعزلة والوحدة إذا ما انقطعت عنهم خدمة الإنترنت، كما يمكن ملاحظة فئة أخرى متحفظة تتابع الحسابات والنقاشات الدائرة فيها دون المشاركة، وذلك إما تجنبا للدخول في صراعات أو مناقشات كلامية حادة، أو للتذرع بعدم امتلاك ما يستحق النشر، فئة أخرى تتخذ من هذه الشبكات أداة عمل وليس لمجرد الحضور الشخصي، كاستخدام بعض الصحفيين لفيسبوك أو تويتر لتسليط الضوء على قضية هامة، كما قد يستخدم البعض حساباتهم الشخصية لنشر مادة مختارة بشكل منتظم لمتابعيه على شكل روابط لمقالات أو أخبار أو اقتباسات أو فيديوهات موثقة لرحلات سياحية ومواد تتعلق بطبيعة اختصاصهم وشغفهم، والأمر كله نابع من رغبتهم في إضافة المحتوى للآخرين ولا يتعلق بهم شخصيا، فئة أخرى تمثل نمطا من أصحاب النبرة العالية التي تحضر عبر حساباتها بالمحتوى الذي تريد دون المبالاة بالآراء حولها، فتراهم يعبرون عن أنفسهم دون قلق إزاء ردود فعل الآخرين، وخلف الأسماء الوهمية لبعض الحسابات توجد شخصية الشبح الذي لا يرغب بالكشف عن هويته الحقيقية لسبب أو لآخر، وقد يلجأ هؤلاء إلى تبديل أسمائهم الوهمية بشكل دائم، فئة أخرى ينحصر حضورها بطرح الأسئلة فقط، متلذذة بإثارة النقاش وتلقي الإجابات للإندماج مع الأصدقاء الافتراضيين، وهناك صائدو الأخبار الذين يجوبون المواقع بحثا عن خبر ما أو مقطع جذاب لنشره ونيل اعجاب المتابعين، إضافة إلى نمط جامعي الأصدقاء الساعين لنيل الإستحسان، وتنحصر غايتهم في عدد التعليقات والتفاعلات وإعادة النشر والمشاركة، وهم دائمو القلق والمتابعة لردود فعل المتابعين، أما طواويس الشبكات الاجتماعية فيجدون في ساحاتها ما يشبع رغبتهم في تحقيق قاعدة جماهيرية تستند إلى آراء المعجبين، فالهدف من كل رسالة أو تغريدة استقطاب المزيد من المتابعين ومعيدي النشر، وهناك نمط ينصهر في هذه الوسائل كليا فتراه دائم التواصل عبر مشاركة متابعيه تفاصيل يومه وأدق خصوصياته حرفيا ، وهو ما يحرص عليه المشاهير في الغالب.

وحيث أن بنية الشبكات الاجتماعية قائمة على عدد التعليقات والتفاعلات واللايكات وعدد المتابعين كوسيلة لتقييم مدى القبول الذي تحظى به الشخصية الاجتماعية على الشبكة، فقد ساعد هذا الأمر على وجود ما يعرف بظاهرة المؤثرين Influencers، فبمجرد أن يصل عدد المتابعين إلى عشرة آلاف كحد أدنى فإن الشخصية التي تتم متابعتها تصبح مؤثرة، والواقع أن مثل هذه الشخصيات وعلى اختلاف نوع ومضمون المحتوى الذي تقدمه إلاّ أنهم غالبا ما يتمتعون بالابتكار والقدرة على التأثير في خطوط الإنترنت «التريندز»، فمنهم الصحافيون والأكاديميون والأطباء والمشاهير والخبراء في مختلف المجالات، وحتى الشخصيات التي لا تملك محتوى محددا ذا قيمة سوى أنها مثيرة للجدل بغرابة أطوارها عن عرف المجتمع إلاّ أنها في النهاية ناجحة في جمع أعداد كبيرة من المتابعين، وتكمن قيمة المؤثر في حجم القاعدة الجماهيرية التي يتمتع بها، ما يجعله فرصة إعلانية مناسبة لأصحاب الشركات الراغبين بالترويج لمنتجاتهم مقابل مدفوعات أو هدايا تقدم له، والشخصية في النهاية غير مسؤولة عن جودة المنتج ونتائج استخدامه، وقد يتعدى تأثير هذه الشخصيات إلى عالم السياسة والبيئة والمجتمع.

لا شك أن المحتوى الذي تقدمه شخصيات الإعلام والشبكات الاجتماعية هو ما يحدد مدى ونوعية تأثيرها، وهو ما تختلف أمزجة وتوجهات المتلقين في تقييمه، فخلف كل محتوى توجد شخصية وجدت في الشبكات الاجتماعية وسيلة مجهزة تقنيا للتعبير عن الذات، ما ساعدها في رسم الملامح التي تريد الظهور بها للمتابعين، فالأسئلة المحفزة على صفحات بعض الشبكات مثل بماذا تفكر؟ وماذا يحدث؟ تعمل في الواقع على تغذية بعض أنماط الشعور والتفكير والسلوك لدى بعض هذه الشخصيات، لا سيما تلك التي تحرص بشكل هستيري على لفت الأنظار، وتحرص دراميا على تأييد المتابعين الذين يشكلون شرعية حضورها على النحو الذي تريده هي، وعلى الطرف الآخر هناك شخصيات من المتابعين الذين تتسرب إليهم مشاعر الحزن أو الاكتئاب جراء مقارنة أنفسهم بمن هم خلف الشبكات التي يتابعونها، والمرعب أن يؤدي الشعور الدائم بالفراغ واضطراب الهوية إلى حرص بعض شخصيات هذه الشبكات على الحضور الكثيف دونما مضمون قيّم فقط لتوقعهم بتفاعل المتابعين ، ما قد يصل بهم إلى نقطة تطوير الهواجس والعيش في عالم مبني على الأهمية الوهمية، وهو ما يشكل خللا في العلاقات الإجتماعية لا سيما بين فئة الشباب التي تشكل الشريحة الأكبر بين المستخدمين والمتابعين.

إن ما تتيحه شبكات التواصل الإجتماعي يشكل قاعدة واسعة لإنشاء العلاقات الاجتماعية، إلاّ أنها ليست بالعمق الذي نحتاجه إنسانيا، فلا شك أن كثيرا مما يحضر بقوة على هذه الشبكات هو هش ومتعارض مع الحياة الاجتماعية في الواقع، ولا يعني ذلك أنه يجب التخلص منها بشكل قطعي، وإنما يجب إعادة النظر في المساحة المخصصة لها من أوقاتنا، وإلى المدى الذي يسمح لها به الحضور في واقعنا اليومي، ففيما تقدمه شخصيات هذه الشبكات الغث والسمين، فلو أن الأخوين » غريم » عاشا في هذا الزمن لكان من الممكن أن يحسما الصراع في » بياض الثلج » على مبدأ ال Share وال Like وعدد ال Followeres ليتعدى التلاعب بالمنطق حاجة زوجة الأب الشريرة إلى المرآة السحرية لترى إن كانت الأجمل بين النساء.