ترجمة - ديما جعفر

عادةً ما نأخذ انطباعاً أولياً عن شخصٍ ما من اللقاء الأول بناء على مظهره الخارجي، ما يعطينا نسبةً أكثر من المنتصف في تحديد طريقة تعاملنا معه، أما التوهج الداخلي والذي يُشعر الأشخاص من حولك بالارتياح فلا يمكن الوقوف على ماهيته في مكنون شخصٍ ما من اللقاء الأول، بل لابد من الاصطدام بكثيرٍ من المواقف ومرور سنواتٍ طِوال للكشف عما إذا كان يمتلك روحاً جميلةً تستحق الاحترام أم لا.

وهناك مؤشرات أوردها خبراء التنمية البشرية يتمتع بها أصحاب الروح الجميلة والجذابة لما لها من بالغ الأثر في التأثير فينا وفي مدى ثقتنا بالآخرين أو ربما انعدامها، فهم عادةً ما يتميزون بثقةٍ عاليةٍ بالنفس ويمكن ملاحظة ذلك من وقوفهم الصحيح باستقامة العمود الفقري بطريقةٍ مرنة وصحية، كما يتمتعون بروح المرح والمزاح أثناء الأحداث اليومية دون سخريةٍ أو لؤمٍ مع الآخرين فلا يجدون ذلك ممتعاً، ما يعطيهم طاقةً إيجابية ويضفي للحياة نكهةً جميلةً ودافئة تخفف الضغط والتوتر وتزيد من الترابط الاجتماعي، إذ يعزز الضحك صحتنا وله تأثيرٌ كبيرٌ في التقليل من خطر الإصابة بالنوبات القلبية بنسبة ٤٠% ويساعد الجسم على معالجة نسبة السكر في الدم بشكلٍ أفضل ما يعني حياةً صحيةً أطول.

ويُعتبر الرضى الداخلي وطمأنينة القلب أحدى أهم العلامات التي يتميز بها ذوو الروح الجذابة، ففي لحظةٍ ما أثناء قيامك بشيءٍ تحبه كالمشي على الشاطئ لوقتٍ متأخر أو حملك لطفلٍ صغير أو ربما أثناء تأديتك لواجبك وأنت على رأس عملك أو قبل ثوانٍ من فوزك في ماراثون سباق وقطعك لخط النهاية، تماماً كاللحظات ما بعد ركلة قدمك وشِباك المرمى، حين يتوقف الوقت ويتلاشى العالم كُله من حولك، لتستشعر تدفق كيانك النقي تماماً، والذي يخلق الرضا العميق ما يمنحك الشعور بالراحة ويغيّرك نحو الأفضل.

ولا يتوانى أصحاب الروح الجميلة عن قول كلمة شكراً لكل من يستحق، كما أكد الباحثون على أن الشعور بالامتنان يزيد من مشاعر التفاؤل وإحساسنا الداخلي بالرفاهية، كما يقلل من الألم والتعب ويعزز الأداء في المدرسة والعمل، ويرفع من اليقظة والحماس والتصميم والانتباه، ما يتيح لك الشعور بمزيدٍ من التواصل مع الآخرين ويلهمك لمساعدة صديق أو زميل عمل أو جار أو فرد من العائلة يعاني من مشكلةٍ شخصية، كما ينطوي على الرغبة في الاعتراف بالخير الذي يفعله الأشخاص من حولك بكلماتٍ لطيفة.

وفي داخل كل انسان طفلٌ صغير يدفعه نحو المرح، وبث الأمل في الآخرين وزرع الابتسامة على كل خد نلقاه، لكن البعض أخذته جدية الحياة وقساوتها بعيداً عن الطفل الموجود بداخله لدرجة نسيانه أو ربما تجاهله، وكأن المرح شيءٌ ثانويّ لِتجد أن معالم الحياة القاسية التي خاضوها ترسم ماضيها في قسمات وجوههم، أما من يمتلك روحاً نقية فحتى لو رأى من قسوةِ الحياة وشراستها ما هو أكثر من الغير فلا يمكن ألا يستوقفنا بريق أعينهم وإشراقة ابتسامتهم أثناء حديثهم عن فكرةٍ ما أو شيء يعني لهم، دوماً ما يتحدثون عن الأفكار ووجهات النظر، ولا يجذبهم قط كلام النميمة أو القيل والقال. ويعتقد البعض بأن العمل التطوعي هو للمتفرغين والعاطلين عن العمل، ولكن فوائده الكثيرة ستجعلنا نخصص يوماً لنتفرغ فيه للتطوع لقضيةٍ جديرةٍ بذلك كمساعدة طفلٍ في دروسه ومد يد العون لمن يحتاج كمن تعطلت مركبته وتقطعت به السبل، ما يرفع من هرمون السعادة في الدماغ لدينا، ولا يهتم أصحاب الروح الجذابة فيما إذا كان حدثًا تطوعيًا ليومٍ واحد مع الأصدقاء أو لتلبية الاحتياجات في منطقتهم دون علم أحد، ما يُهم حقاً هو التعرف على ذواتنا من الداخل واكتشاف ما يمكن تشاركه مع الآخرين فهذا هو الجمال الحقيقي، وأخيرا فهم يمتلكون قِيما ومعاني حقيقية غير مزيفة، صادقين في عطائهم وحبهم تماما كشعور الأم بالبرد في حال خرج طفلها بملابس خفيفة، أو الشعور بالمصيبة قبل وقوعها مع من نحب، فهو أشبه برابط داخلي لا تؤثر فيه البُعد ولا المسافات.

ترجمات The Mirror