عمان - غازي القصاص

يتساءل الرياضيون الأردنيون بحرقة وألم، وهم يتابعون انطلاق دوريات كرة القدم في البلدان التي شكلت بؤراً نشطة لجائحة كورونا: متى سنشاهد الضوء الأخضر لعبورنا نحو الملاعب، ونحن البلد المسيطر على انتشار المرض، بحسب التصريحات المتكررة.

ويستغرب هؤلاء بمختلف انتماءاتهم للألعاب الرياضية التي يُمارسونها، من طول فترة الانتظار والترقب التي أثرت سلباً عليهم، من ناحية تراجع مستواهم الفني، وانخفاض لياقتهم البدنية نتيجة الزيادة اللافتة في أوزانهم، وتدهور أوضاعهم الاقتصادية بشكل بات لا يُحتمل، ودون أن يجدوا من يمد لهم يد المساعدة، ناهيك عن الأثر المعنوي الذي لحق بهم من طول فترة توقف الأنشطة الرياضية.

ويرى الرياضيون في انطلاق الدوري الألماني مؤخراً خلف أبواب مغلقة، وفي انطلاق الدوريين الإسباني والإنجليزي بعد أيام قليلة، وفي التحضير لانطلاق دوريات بلدان أخرى، وطبعاً في انطلاق دوري الدولة الجارة الشقيقة سوريا بظروفها الراهنة، ما يُعزز طلب اللجنة الأولمبية كمظلة رسمية للرياضة الأردنية، ووزارة الشباب كمرجعية للأندية، من الحكومة السماح باستئناف النشاطات الرياضية التي توقفت بسبب جائحة كورونا، وعودة الحياة إلى الملاعب في القريب العاجل.

وهناك حالة الترقب لصدور قرار حكومي يُؤدي الى إستبدال الشارة الحمراء التي يعتبر الرياضيون بقائها نقمة عليهم، بالخضراء التي تتوق عيونهم شوقاً لرؤيتها مُجدداً، من أجل عودة الفرح والامل والتفاؤل في المستقبل عندهم، ويُعالج التأثيرات الإقتصادية والمعيشية والمعنوية للازمة عليهم.

ولكن تتنابهم أيضاً مشاعر القلق من أن تتراجع المؤشرات على إعلان الحكومة قريباً عن موعد عودة النشاط الرياضي وفق الإرشادات الصحية المعمول بها حفاظاً على السلامة العامة، لكون ذلك من شأنه أن يُحطم مجاديفهم مجدداً، ويُعيدهم إلى المربع الأول.

في السياق، نجزم بأن الرياضة التي قدمت للوطن الكثير، وكانت على الدوام في طليعة الجهات المحافظة على تحسين مستوى الصحة العامة من خلال اقدام ابناؤها على ممارستها، وتشجيع الآخرين على ذلك، وعبر حماية قطاع الشباب الذي يُشكل ما نسبته نحو 67% من المجتمع، من خطر آفة المخدرات، وتناول المنشطات وغيرها، ومن خلال جهود أنديتها بتنظيم حملات التبرع بالدم، وخدمة المجتمع المحلي، والمساهمة في نشر الارشادات الصحية، تستحق الرياضة ان تلتفت الحكومة نحوها، وان تكون ضمن الاولويات وليس في آخر الاهتمامات.

الى ذلك نرى بأن جائحة كورونا بعد ان يتم، بمشيئة الله، الاعلان عن القضاء عليها نهائياً في الأردن، ليسمح ذلك بعودة الحياة الى طبيعتها السابقة، وهذا الامر متوقع قريباً، ستفرض على المنظومة الرياضية برمتها، ان تُعيد تقييم شؤونها وحساباتها، وان تتعامل مع واقع جديد، سيكون حتماً مختلف عما كان عليه قبل ظهور المرض اللعين، ومن ضمن ما كشفته الجائحة على الصعيد الرياضي:

اولاً: هشاشة المنظومة المالية، فالأندية ليست مؤسسات لديها موارد ثابتة، تصب في موازناتها، وتُغطى الى حد كبير فاتورة الانفاق الشهرية لها، من اجور موظفين ومدربين وعقود لاعبين، فهي تعتمد بشكل رئيسي على دعم وزارة الشباب، وما تحصل عليه من الاتحادات، ويكون النصيب الاكبر قادم من كرة القدم.

وهنا لا مفر من إيجاد مساعي لتحويل منظومة الاندية الكبيرة الى شركات مساهمة عامة، على غرار ما هو حاصل في العالم المتطور رياضياً، وهذا من شأنه أن يجعل النادي بقيادته الجديدة قادراً على عبور مجال الاستثمار من اجل تعزيز مسيرته، ودون ذلك، فستظل مُعاناة الاندية تتفاقم، وستظل تطرق ابواب الاتحادات ووزارة الشباب وغيرها، طلباً لمساعدات مالية عاجلة لفترات قصيرة، وهذا الامر لن يكون مفيداً لمسيرتها ان كانت تتطلع لعبور التضاريس الصعبة في قادم الايام.

ثانياً: اعتماد النوعية وليس الكم في الالعاب، فليس المطلوب من النادي في ظل معاناته المتفاقمة جراء جفاف موارده المالية، والتي يُنتظر بعد مرحلة كورونا، أن تسوء اكثر، التمسك بممارسة العاب رياضية كثيرة، بل عليه ان يعتمد النوعية، من ناحية قدراته الفنية التي تسمح بدخوله اجواء المنافسة، وتحقيق النجاحات والانجازات، وليس التركيز على كمية عدد الالعاب التي يُمارسها، دون ان يكون بمقدوره الانفاق المطلوب عليها، ويكون موقعه في منافساتها هامشياً.

ثالثاً: تقليص نفقات الاحتراف، ويأتي ذلك من خلال رؤية ونهج واضحاً، يعتمد على الواقع المالي الراهن للنادي، ويكون عبر التوجه نحو الاهتمام بفئتي الناشئين والشباب، والتركيز على لاعبيهما، ليكونوا المكون الاساسي للفريق، مع العمل ما امكن على تخفيض عدد المحترفين المحليين، والامتناع عن الاستعانة باللاعبين الاجانب، فالامكانات المالية للاندية بموازناتها المالية الضامرة حالياً، بات يتطلب ذلك.

رابعاً: تنظيم البطولات الخارجية، وهذا يتطلب من الأندية الفائزة ببطولات العابها، ومن جاءت بمركز الوصيف، ان تُنسق مع اتحادات العابها، من اجل التصدي لتنظيم بطولات على الصعد: العربية والاسيوية وغرب القارة، كي تصب الأرباح المالية القادمة من التنظيم في صناديق الأندية.

ولمن ما يزال يعتقد ان الرياضة ليست اولوية في مناحي الحياة العامة، ومنها القطاع الانتاجي، فقد حثت بعض فنادق العاصمة مؤخراً العديد من الاتحادات على استضافة البطولات الخارجية بعد انتهاء ازمة كورونا، كي تعود للعمل بطاقتها السابقة، لكون الرياضة تُشكل مصدر مهم لها في استمرار عملها.