د. عريب محمّد عيد

عندما يُترجمُ حبّ الوطن إلى فعلٍ، ويصبح عشق الأرض الرّعشة الّتي كانت تغذي نفس صاحبها، وتمنيه بالعودة، ودحر المحتلّ؛ وتوقظ فيه حسّ المسؤوليّة الدّائم اتّجاهها؛ فاعلم أنّك أمام مناضلٍ كرّس حياته في خدمة القضية الفلسطينيّة وأبنائها في إسبانيا خلال عمله في المشافي الإسبانيّة؛ إنّه الطّبيب الإنسان المناضل عطا علي عيسى عيد (أبو عاصف) المولود في قرية دير ياسين يوم 12 شباط 1946، وكان قضاء الله أن تضمّ برشلونة جسده الطّاهر المسجى بعَلَم فلسطين في الأوّل من نيسان 2020 طيّب الله ثراه.

لقد كان ابن سنتين عندما غادر دير ياسين بعد المذبحة 9/ 4/ 1948 إلى "أبو ديس"، مكث مع عائلته فيها قرابة أربع سنوات، ثم غادرها إلى أريحا، وفي مدارسها أكمل مراحل دراسته الأولى من الابتدائيّة حتّى الثانويّة، ثم انتقل إلى فلنسيا عام 1967 لاستكمال دراسته الجامعيّة، وكان عضو الهيئة الإداريّة للاتّحاد العامّ لطلبة فلسطين – فرع فلنسيا/ إسبانيا في عامين متتاليين 1968/1969، ثمّ شارك في تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين عام 1970.

انتقل إلى مدينة برشلونة لاستكمال دراسة الطّبّ -تخصّص جراحة عظام- عام 1967، وأسّس حركة فتح فيها في العام نفسه، وكان عضو المجلس الاستشاريّ لحركة فتح/ إقليم إسبانيا، وقد مرّ في جميع مراحل التّنظيم في إسبانيا ما عدا مسؤول إقليم، وتضامن مع جميع الجمعيات والأحزاب الثّوريّة الدّيمقراطيّة التحرريّة في السّاحة الإسبانيّة، وخاصّة في كتالونيا.

لقد وقعَ في حُبّ الوطنِ، كما وقعَ الوطنُ فيه، فعمل على تكثيف المساعدات للوطن الأمّ في الدّاخل ولأبناء فلسطين في كتالونيا، وكان يهتمّ بإحياء ذكرى الفعاليّات الوطنيّة الفلسطينيّة، وتخليد اسم فلسطين في ذاكرة الإسبان والجاليات العربيّة في أرض المهجر، كما قام بتأسيس البيت الفلسطينيّ في برشلونة، وتسلم مهامّ إدارته؛ وكان الأب الرّوحيّ لكلّ روّاده، ولا يفتأ هذا البيت ملجأ كلّ مغترب، وملاذ كلّ منفيّ وأمل كلّ منكوب، ومهجع كلّ متعبٍ.

كان الابن الوفيّ البار لفلسطين والقضيّة، وإن لم يعش في أرضه وبين أشقائه وأهله؛ فقد عاشت فلسطين فيه ومعه في حلّه وترحاله؛ ولم تكن غربة الوطن منفًى؛ فقد صنعَ مجدَه فيه؛ وترك بصمة الفلسطينيّ الأصيل تحكي أهزوجة الحبّ الأزليّة لفلسطين، وطبعها ختماً في ابنيه عاصف وعابل -حفظهما الله- اللّذين تشرّبا حرص والدهما على التّمسك بالقيم الوطنيّة الخالدة الّتي تنثر بذور القضيّة في أرض المهجر، وتحييها فلا تموت.

لقد بذل الحبّ والخير والعطاء، ولم يكن لينتظر الردّ؛ فقد ارتقى بالاكتفاء، كان يضمّد جراح الآخرين بابتسامته قبل يده؛ قلبٌ رقيق وعذب مع صلابته، إخال شوارع برشلونة تفتقده، والحجر والشّجر قبل البشر تشتاقه، ترك إرثاً ممتداً وطيب سمعة، وفضائل ذكر، في أماكن كثيرة، وله أيادٍ بيضاءُ ترتفع لتدعو له، اللّهم أحسن مثواه، واجزه بالخير الذي قدّمه للآخرين فضلاً وإحساناً؛ لقد رحل ذو القلب الكبير، والعقل الرّاجح، وابن دير ياسين البار بصمت، لكنّ جَلَبَة فضله وذكره وحُسن عمله ستبقى حيّةً في قلوب محبيه.

(أكاديمة وكاتبة من الأردن)