عمان- فرح العلان

أكدت الكاتبة حليمة الدرباشي ان "كورونا المستجدّة فرصة للكاتب الّذي يمسك عدسة ويدور في حلقة إهليجية الشكل باحثًا عن موضوع للكتابة، ذاك الذي لا يملك عينًا ناقدة، ولا يملك حتّى أن يرى المطمور. وفي نفس الوقت فهي مساحة مستجدّة يجب الكتابة عنها وفيها كي لا تبقى مفرغة من المضمون، المضمون الذي يحدث نقلة، أو بالأحرى صدمة".

وأضافت "أعدت تشكيل العلاقة بين الأزمة والإبداع بشكل عام، فهل نكتب لنوثّق اللحظة ونواكب الموضة؟ أم نكتب بوعي حقيقي حول ما أحدثته الأزمات بكلّ أشكالها في البشريّة من تبدّل وتغيّر أو حتى نموّ في الوعي الذاتيّ والجمعيّ؟".

وزادت "إذا لم تكن الكتابة حول الأزمة كتابة مفكّرة متفحّصة ناقدة محلّلة مستشرفة المستقبل مساهمة في إحداث التغيير؛ فهي وعدمها واحد بكلّ تأكيد".

الرأي التقت الكاتبة درباشي في الحوار التالي:

-كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا؟

فرصة هبطت من السّماء، فرصة تاريخيّة لن تتكرر، وكأنّي قُذفت من نافذة قطار سريع، انقطع التّيار الكهربائيّ فخرجت من خلّاط، انتشلتني يد خفيّة من بين موجتين متلاطمتين، فارتطم الجسد المهشّم بجذع شجرة فهوى على الرّأس فتات الطّبيعة.

أرعى زوج حمام حطّ على كتف النّافذة، انصت طويلًا إلى موسيقى الطبيعة التي انداحت في الفراغ الّذي خلفناه، اتتبع سرب نمل يتبختر في الأرض الّتي عادت له، فأنسحب على مهل؛ مُطأطأة الرّأس، خجلى من هول الدّمار الّذي ألحقه الإنسان الوحش بهذا الكوكب.

وأعود إلى الفرصة الّتي هبطت من السّماء، فرصة لنثر الكثير من القصاصات على مقاعد المنزل، أرفع جبالًا من الكتب المقروءة وأمدّ بينها سلاسل من الأفلام الّتي تحفر في المخّ وتعيد تشكيله، وسلاسل أخرى من الموسيقى الّتي تنقلك إلى عوالم فريدة أعمت عينيّ عنها انشغالات كثيرة؛ من بينها لقمة العيش.

أخوض حوارات عن الحبّ والحرب والخوف والمتعة والحياة والكتابة عنها وفيها ومنها، عن الهواجس والأحلام والآمال، عن الحزب والسّاحات والشّوارع والأفكار والحبكة والعقدة والحلّ والصّراع، كلّ ذلك صار ويصير مع كائن عجائبيّ متفرّد؛ اقتحم العزلة الّتي أردتها تقليديّة وطوّح بها وأعاد بناءها، حتى صارت عزلة خالية من العزلة، لم ولن تتكرر.

وفي خضمّ كلّ تلك التفاصيل، مازلت أواصل العمل عبر هذا الجهاز، ألوّح للأطفال عبر الشّاشة الّتي خرج صوت أحدهم منها في لحظة تاريخيّة اعتبرتها: "هذا التعلّم لا مشاعر فيه!"، ولعن الكورونا المستجدّة وغاب في لجّة الألياف الضوئيّة آخذًا قلبي معه، تاركًا جسدي الّذي تُفزعه صافرات الإنذار منكمشًا على نفسه.

-بوصفك مثقفًا، هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟

هل يقتصر التغيير الّذي يأتي على يد أحداث راهنة على المثقّفين؟ وقد أسأل: هل يحتاج "المثقّف العربي" دومًا إلى أزمة وأحداث راهنة كي يتغيّر ويغيّر مفاهيمه تجاه الحياة والعصر والصّراعات؟ ولعلّني أتمادى لأسأل سؤالًا أخيرًا: من هو "المثقّف"؟

أجد نفسي دومًا بعيدة عن هذا الوصف: "المثقّف"؛ ما زلت أحفر في هذا الكون بحثًا عن وصف ما يناسب ما أتطلّع إليه.

أزمات كثيرة عصفت في البلاد الشاسعة منذ بدء التّاريخ شكّلت وعي الإنسان على مرّ العصور. وأقول الإنسان؛ فلا يمكن اختصار مجمل الإنسانية بالمثقّفين الّذين يقفون على المنصّات ويرشقون مريديهم برذاذ لعابهم الّذي يسيل حيث المصلحة.

أمّا أنا؛ الّذي هو جزء من هذه الإنسانية الّتي تدوسها سلطة رأس المال بكلّ تفرّعاتها وأشكالها المستحدثة، فلم تتغيّر مفاهيمي؛ بل تطوّر ونما فهم ما يدور في الحلبات، فأراقب التّراكم الكمّيّ والنّوعيّ في الشّوارع والحارات المسحوقة والأسواق المكتظّة بالمُفزَعين، أتابع الدّخان الصّاعد من الجثث المحروقة، والغبار المنبعث من القبور المردومة للتوّ، عمليات السّطو على المعدّات الطبيّة، وعمليات فرض السّيطرة من جماعات تأخذ شكل العصابة وتلعب دور السّلطة، النّزاع والصّراع على الثروات بكلّ أشكالها بات في أوجه، التبدّلات والتّحوّلات في الاقتصاد العالميّ، احتجاجات من النّوافذ في مكان ما، وتسليم للأمر الواقع في آخر.

كورونا المستجدّة كشفت عن الكثير من الثّغرات والجرائم والحقائق في العالم، والّتي ما عادت سرعة القطار الّذي نستقله رغمًا عنا قادرة على اخفائها، ثمّة تبدّلات كثيرة في الانتظار، والانتظار هنا لا يحتمل سوى القفزة.

-هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟

كثيرًا ما أفكّر في هذا الأمر، ولعلّني أعدت تشكيل العلاقة بين الأزمة والإبداع بشكل عام، فهل نكتب لنوثّق اللحظة ونواكب الموضة؟ أم نكتب بوعي حقيقي حول ما أحدثته الأزمات بكلّ أشكالها في البشريّة من تبدّل وتغيّر أو حتى نموّ في الوعي الذاتيّ والجمعيّ؟

إذا لم تكن الكتابة حول الأزمة كتابة مفكّرة متفحّصة ناقدة محلّلة مستشرفة المستقبل مساهمة في إحداث التغيير؛ فهي وعدمها واحد بكلّ تأكيد.

قد تدفعني الأزمات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة الجديدة الشّكل لا المضمون التي أحدثتها كورونا المستجدّة نحو الكتابة، أما الكورونا بحد ذاتها؛ فقد دفعتني نحو نفسي فقط.

-هل ساهمت الظروف الرّاهنة في توجيه قراءاتك أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟ وماذا تقرأ لو تقرأ الآن؟

قلت أعلاه أنّ كورونا المستجدّة دفعتني نحو نفسي، وهذا ما حصل بالفعل، فمنذ إعلان رئيس الوزراء أمر الدفاع رقم (2)، حظر اجباري تماشى مع قرار ذاتيّ بأخذ الاحتياطات الصحية اللازمة وأهمّها التباعد الجسدي الّذي يؤدّي إلى نوع من التباعد الاجتماعيّ، عرفت أن الفرصة للالتفات إلى النفس باتت مضاعفة وخيالية وتاريخية، وضعت نقاطًا كثيرة على حروف كانت صماء، أحدها وأهمّها ما يتوجّب قراءته وما يتوجّب وضعه على الرّفّ. ففي قرار أعتبره الأهمّ فيما يخصّ الأنواع الأدبيّة الّتي نقرؤها اليوم، التفت بوعيٍ نحو قراءة القصّة في ابتعاد جزئي عن الرّواية، وخصصت وقتًا لقراءة كتب ومقالات في الفكر والاقتصاد. وانتفضت ضدّ ما يطرحه السّوق بشكل بات يقلب المعدة، فلن أرضخ لسوق الأدب، ولن أقرأ كتابًا يصنف ضمن تصنيفات أخجل من كتابتها: "الأكثر مبيعًا"، "الحائز على جائزة ..." وغيرها.

بين يديّ الآن رواية "وليمة لأعشاب البحر" الغنيّة عن التّعريف.

-هل تعتقد أنه سيكون هناك أدب يسمى أدب كورونا؟

من الممكن ذلك، بل من المؤكد. برأيي؛ فإن كورونا المستجدّة فرصة للكاتب الّذي يمسك عدسة ويدور في حلقة إهليجية الشكل باحثًا عن موضوع للكتابة، ذاك الذي لا يملك عينًا ناقدة، ولا يملك حتّى أن يرى المطمور. وفي نفس الوقت فهي مساحة مستجدّة يجب الكتابة عنها وفيها كي لا تبقى مفرغة من المضمون، المضمون الذي يحدث نقلة، أو بالأحرى صدمة/ صفعة.

- برأيك. ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع؟ هل بإمكانه أن يساند الإجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل والسلوك الترشيدي؟ وكيف؟

سأقبل كلمة "المثقّف" هنا؛ فبإمكانه -بكل تأكيد- أن يساند الإجراءات الحكومية الهادفة إلى منع وتقليص فرص انتشار الوباء الّذي حلّ على العالم، ففي منظومة صحيّة شبه مخصخصة، وتأمين صحيّ شبه معدوم، ونسبة فقر عالية، ومديونيّة متزايدة، يصبح انتشار الوباء وتبنّي سياسة "مناعة القطيع" كارثة. تخيّلوا معي مشهد أحدهم وهو يقرفص على عتبة إحدى المستشفيات منتظرًا دوره في الحصول على جهاز تنفس!

لكن؛ علينا أن لا نراهن كثيرًا على قدرة الجائع على الصّبر خوفًا من الوباء. فبالنّسبة للجائع؛ الجوع ملموس محسوس يقرص الجوف ويؤلم. بينما يرى الوباء فكرة تصيب أرقامًا تتهاوى عن حافّات شاشات التلفاز.