لم يكن سهلاً مع بداية شهر آذار أن يسمع المؤمنون في كل أنحاء الدنيا أن المساجد والكنائس وبيوت العبادة ستكون مغلقة، إلى إشعار آخر، أسوة بالمؤسسات والمرافق والمنشآت العامّة والخاصة في كلّ اصقاع الأرض، وتشابهت الدول والمدن التي كانت لا تنام ولا تعرف الليل من النهار، مع آخر قرية وأصغرها في البلاد البعيدة.

أصيب العالم بداء كورونا، وكان على المسؤولين في كل أنحاء الدنيا أن يقوموا بإجراءات احترازيّة لحفظ صحّة الإنسان وحياته. وقد طال بيوت العبادة الشيء الكثير، وأغلقت في جميع أنحاء العالم، ورأينا ساحة الفاتيكان وقد خلت من المؤمنين الذين كانوا يتوافدون بشكل يوميّ دون انقطاع. وأغلقت أبواب كنيستي القيامة والمهد والمسجد الأقصى والحرم في مكة، كما أغلقت في الأردن أبواب الكنائس والمساجد. وصار الحنين في نفوس العابدين الصادقين للعودة إلى بيوت العبادة لكي يتضرعوا إلى الرب ليشفي العالم من هذا الوباء.

وممّا ضاعف التأثر في نفوس عابدي الله في الاشهر الماضية، حلول الاعياد المجيدة: فقد احتفل المسيحيون بعيد الفصح المجيد وأبواب كنيسة القيامة وكنائسهم المحليّة فارغة ومغلقة، ولم يكن سهلاً على الأخوة المسلمين أن يحتفلوا بعيد الفطر السعيد وهم في بيوتهم يشاهدون ما يبّث على وسائل الإعلام والتواصل. هي إذًا مرحلة حرجة وصعبة قد عاشها سكان الكرة الأرضية، دون استثناء.

واليوم، وفيما يُعلن عن إعادة فتح أبواب أماكن العبادة في العالم، وبعدما أعلنت الحكومة الأردنيّة عن قرب إعادة فتح أبواب الكنائس والمساجد في مملكتنا، نقول:

أولاً: لم ينقطع المؤمنون عن الصلاة في الاشهر الماضية، وبرز هنا دور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بنقل الصلوات والأدعيّة من الكنائس والمساجد إلى البيوت، وأصبحت مقولة "بيتي كنيستي" و"بيتي مسجدي" سائدة على كل الأفواه، وفي كل الكتابات على وسائل التواصل. لا بل إنّ هذه الفترة قد ضاعفت تعبّد الإنسان إلى الباري، لأنها كانت فترة صعبة، ومن المعروف أن الإنسان إنّ مرّ بأزمة، وبالأخص ما يهّدد سلامته وصحته، وسلامة وصحة أبنائه وبناته، فإنه يلجأ، بشكل أكثر من ذي قبل، إلى التضرّع إلى الله أن يحفظه ويحفظ أسرته سالمة غانمة.

ثانيًا: إنّ العودة إلى بيوت العبادة لا يعني أن الوباء قد انتهى، وهذا ما يسجّل لوزارة الصحّة التي تنبّه المواطنين بأن الوباء ما زال موجودًا، وهو موجود فعلا لكي يدحض الإشاعات التي تقول بأن الوباء كان مبالغًا به وبأنّه لم يكن موجودًا... وكيف لا يكون موجودا وقد حصد آلاف مؤلفة من الأرواح البريئة! لذلك فإن الإجراءات الاحترازيّة التي كان علينا القيام بها في بيوتنا سابقا ، علينا الآن القيام بها في أماكن عملنا وأماكن تواجدنا اليومي، وكذلك في بيوت العبادة. فمن غير الممكن أن يكون أي بيت عبادة سببًا وبؤرة لتفشي المرض، لا سمح الله! لذلك على المؤمنين أن يلتزموا طبعًا بالإرشادات والتوجيهات التي سوف تقرّ رسميًا، سواء من السلطة الدينية أو المسؤولين الصحيين الذين لا يتورّعون عن تقديم النصح والإرشاد.

ثالثًا: هي مناسبة أيضًا للمؤمن، وكما يُقال في الكنيسة "بأن يفحص ضميره"، وأن يعمّق إيمانه، وأن يقول في نفسه بأننا والحمد لله قد نجونا من شرّ هذا الوباء، وعلينا الآن أن نتنبّه إلى ترتيب أولوياتنا، وإلى واجب عمل الخير في هذه الأيام، وواجب عيش المحبّة، فالداء لم يهدّد فئة دون الأخرى، وإنما هدّد، وما زال، الأسرة البشرية برمّتها، ولربما تكون هذه الفترة مناسبة للإنسان لأن يعيد حساباته، وأن يعيد تقييم الأمور، وأن يعيد ترتيب الأولويات على سلّم حياته، وأهمّها طبعًا العلاقات الإنسانيّة المبنيّة على المحبّة، وعلى الصدق والنزاهة، وهذا كله يغرفه الإنسان من تعبّده الصادق لله تعالى في عودته إلى بيت العبادة من جديد.

وأخيرا ، نقول: أهلاً وسهلاً من جديد بالمؤمنين العابدين الصادقين، في بيوت العبادة، ضمن الشروط والتعليمات التي تقرّها الدولة ووزارة الاوقاف ومجلس الكنائس. فلم يكن سهلا علينا رجال الدين، من أساقفة وكهنة وشيوخ وأئمة، أن نرى الكنائس والمساجد أمامنا فارغة، فيما ننظر فقط في الكاميرا لكي نخاطب جمهور المؤمنين. لم يكن سهلاً على المؤمنين، كما لم يكن سهلاً على الرعاة الدينيين. وعلينا اليوم مسؤولية أن نتطلّع نحو المستقبل بثبات وأمل ورجاء، شاكرين الرب على كلّ ما تحقق في الماضي، وعلى كل الجهود التي قامت بها دولتنا، وقام بها المسؤولون عن ادارة شؤون الناس في العالم، من أجل حماية صحة الإنسان وحياته وكرامته. وعلينا في الوقت ذاته أن نتطلّع إلى كيفية التعاون أكثر على المستوى الإنساني لتخفيف الآفات التي تهدّد الأسرة البشرية برمّتها، وأهمّها قضايا العدل والسلام، والفقر والبطالة، وواجب تقليص التسلح وانهاء الحروب، لتأمين حياة آمنة لجميع سكان الكرّة الأرضيّة.

Abouna.org@gmail.com