د. غسان إسماعيل عبد الخالق

على امتداد الشهور الماضية، وبتفاوت في الدرجة وليس في النوع، اختبرت شعوب العالم مأساة الانسحاب القسري، من الميادين والملاعب والمدارس والجامعات والمؤسسات، وتكدس أفرادها في شققهم الضيقة، بعيدا عن حلفائهم الاسترتيجيين؛ الهواء الطلق، الشوارع، المقاهي، المطاعم، المكتبات! وما بين ليلة وضحاها، صار الإنسان الذي كان يستمد وجوده من كونه كائنا اجتماعيا... صار كائنا لا اجتماعيا!

وبصرف النظر عن حقيقة وماهية ومآلات فيروس الكورونا الذي غيّر مجرى التاريخ البشري دون ريب، فقد سارعت حكومات الشعوب، وبتفاوت في الدرجة وليس في النوع أيضا، إلى الاستنجاد بتكنولوجيات الاتصال، من باب الحرص على توفير منافذ للاتصال في ضوء واقع الانفصال في المقام الأول، ومن باب الحرص على إدامة مظاهر الحياة السابقة في المقام الثاني؛ فصارت شبكات الهواتف والتواصل الاجتماعي هي الهواء الجديد الذي لا يستطيع الناس الاستمرار في العيش دونه، كما صار (العمل عن بعد) و(التعليم عن بعد)، هما الثابتان الأكثر رسوخاً بعد تفشي وباء الكورونا.

وبينما يصعب التنبؤ الآن، بالمدى الذي ستبلغه الجائحة أو بحجم الخسائر البشرية والمادية التي يمكن أن تنجم عنها، فإن هناك ثلاثة سيناريوهات لمآلات الواقع البشري في ضوء أقسى اختبار لوجوده منذ آلاف السنين.

أما السيناريو الأول (الواقعي)؛ فيمكن تلخيصه بأن المجتمعات البشرية، وبعد أن تجاوزت حالة الصدمة ولم تدّخر وسعاً لاتخاذ كل الاحتياطات والإجراءات والتدابير الممكنة لتقليل خسائرها البشرية، ستغامر بالعودة إلى الحياة الواقعية مدجّجة بثقافة سلوكية جديدة، وستتقبّل حقيقة تساقط المزيد من الضحايا، وصولاً إلى امتلاك القدرة على التصدّي للوباء، عبر الحصانة الطبيعية، أو عبر ابتكار عقار مضاد للفيروس الشبحي. وهذا السيناريو بدأ يتجسد على أرض بعض الأقطار مثل الصين وإنجلترا وأميركا، والتي يبدو أنها حسمت خيارها الوجودي باتجاه الاستعداد لتقبّل واقع الخسائر البشرية جنباً إلى جنب الإصرار على استعادة مظاهر الحياة الواقعية كاملة.

وأما السيناريو الثاني (الوسيط) فيمكن تلخيصه بأن المجتمعات البشرية وفي ضوء تمدد الوباء وكونيته، لن تكون قادرة على العودة إلى مزاولة الحياة الواقعية إلا بعد سنوات، وهذا يعني أن المجتمع الدولي ملزَم بالتفاهم على توفير الحدّ المطلوب من مظاهر السيادة الواقعية التي سيتولى تمثيلها الأطباء والعسكر وحفنة من الاقتصاد-سياسيين، بينما ستظل غالبية شعوب الأرض محتجَزة في شققها، كما ستتراوح نسبة مزاولة (الأعمال وعملية التعليم عن بعد) ما بين 50% و75%، مع ضرورة التذكير بأن النسبة المئوية المتبقية تعني عدم القدرة على الالتحاق بالواقع الإلكتروني الجديد، لأسباب تتعلق بظروف كل بلد على حدة، كما تملي هذه النسبة ضرورة تقبل حقيقة ركود أو انهيار العديد من المناشط الاقتصادية، وبطبيعة الحال تزايد نسب البطالة بسبب انتفاء الحاجة إلى العديد من الوظائف التقليدية، واقتصار هذه الحاجة على عدد محدود ونوعي من الوظائف الحيوية، وعلى رأسها الوظائف الصحية والبرمجية الحاسوبية.

أما السيناريو الثالث (المتشائم)؛ فيتمثل في اضطرار المجتمعات البشرية إلى الانسحاب التامّ من الحياة الواقعية والتسليم بالحياة عن بعد لعقود طويلة، ما يعني الدخول في طور وجودي وحضاري جديد، لن يكون فيه للحرية أيّ مبرر أو مسوّغ، ما دام أن إنسانه سيقضي عمره بين الجدران، كما ستسوده أقليّات إلكترونية حاكمة، ناهيك بأن منظومته القيمية ستكون براغماتية إلى حدّ بعيد. ومن البديهي أيضاً أن تختفي الحاجة إلى تحقيق معظم الغايات الاجتماعية، لأن أشكال التعامل والتبادل ستقتصر على الأقليات الحاكمة في العالم والتي ستتنافس على شراء وبيع تكنولوجيات المستقبل؛ فما حاجة الناس آنذاك للأحزاب السياسية والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني؟ وما حاجتهم للكتب الورقية والصحف والمجلات؟ وما حاجتهم للمهرجانات والاحتفالات؟ ومن المؤكد أن طقوس الزواج ودوافع الإنجاب ستخضع لتعديل جذري، كما سيخضع مفهوم السعادة لمراجعات سافرة، وستتعالى مهارات البقاء على قيد الحياة في المقام الأول، بينما ستحظى بعض الصفات مثل ضبط الذات والطاعة والصبر بالتقدير الأعلى. أما التعليم فسيخضع لجراحات عميقة، في ضوء ندرة الوظائف والحاجة الماسة في الوقت نفسه، لملء أوقات الملايين من الأطفال والمراهقين بما يوازي ما يتلقونه الآن في المدارس، لكن مهارات القراءة والكتابة والحساب والبرمجة ستكون حتماً في مقدمة ما يجب أن يتعلموه.

وأيّاً كان الأمر، فإن هناك ما يشبه الإجماع على أن خطوط إنتاج وتسويق تكنولوجيات الاتصال عن بعد، هي المستفيد الأكبر مما جرى ويجري وسيجري. بل إن هناك حماسة ملحوظة لدى المسوّقين وعدد يصعب تجاهله من المستهلكين، للاستمرار في مزاولة (الحياة عن بعد) كلياً أو جزئياً، وسواء أعادت مياه الحياة إلى مجاريها أم لم تعد! وكلما ازداد الوضع سوءا، ستزداد الحاجة إلى التكنولوجيا، كما ستزداد نسبة تقبل الناس لضرورة تنازلهم تدريجياً، عن المفاهيم السائدة للحريات الشخصية والعامة. وكان الله في عون الشوارع والميادين والمتنزهات والمسارح والمطاعم والمقاهي، لأنها ستشتاق كثيراً إلى من كانوا يؤمّونها، وستبكي عليهم طويلاً طويلاً!

* ناقد وأكاديمي من الأردن