وبعد سبعة عشر عاما من السبات، ستخرج مئات الملايين أو المليارات من حشرة الزيز وتغزو الأرض. هذه الحشرة التي لا تضر البشر ولكنها ضارة بالنباتات. والحالة الوحيدة التي يمكن أن تؤثر فيها على البشر، هي إذا اختلط الأمر عليها وظنت أن ذراع أو رجل أحد منا جذع شجرة. فتغرز خرطومها البالغ طوله ٦ ميليمترات. وقد يؤدي هذا إلى ألم مؤقت بسبب الوخزة المفاجئة.

دورة حياة حشرة الزيز تبلغ ١٧ عاما في حدها الأقصى. كان آخر ظهور لها في الولايات المتحدة سنة ٢٠٠٤، ومن المتوقع خروجها خلال أشهر من الآن.

ستؤثر هذه الحشرة بالضرورة على النباتات بسبب وضع مليارات من بيوضها على الأشجار والنباتات التي قد تتلف نتيجة ذلك، علمًا أن لدى هذه الحشرة ساعة بيولوحية تدق كل ١٣ الى ١٧ سنة، وترتبط دورة حياتها بإعداد الطيور التي تتغذى عليها.، ويبدو أن الزيز قد رأى أن خروجه يواكب انحسارا لعدد الطيور المفترسة له.

لمزيد من الطمأنينة، فإن أهل الصين وبورما وبعض الشعوب الأخرى تأكل الزيز هذه وغيرها من الحشرات، لكن تأثيرها الكبير سيكون على شكل ضوضاء تثير سخط الإنسان الذي يتطلع لمزيد من الهدوء.

لا شك أن الناس تعيش حالة من التوتر الشديد بعد أشهر طويلة من الحجر الصحي والتعطل عن العمل وتطبيق معايير صحية صارمة واجتماعية قاسية، إضافة إلى توقف معظم القطاعات عن العمل، ودخول بعضها مرحلة التعثر والإعسار، ولم يكن ينقص الوضع المزري سوى هذه الزيزو.

لم يكن الإنسان بحاجة الى اكثر من الهدوء على الأقل، لكن هذا الزيز، وبعد أن مكث في الأرض ١٧ عاما، قرر أن يخرج علينا ليمتعنا "بزيزه" ووخز سيقاننا وأذرعنا، ظانا أننا من فصيلة النباتات.

لنكون على جاهزية عالية للتكيف مع ضوصاء الزيز المقبل أنصح بقراءة كتاب "الثيران العشرة في مذهب الزن"، الذي يقول إن انزعاجنا من صوت الحمار مثلا، ليس مبررا، فلا يمكن أن يكون هذا الحمار يتحدث الينا حين ينهق، والازعاج الذي يصيبنا قادم من داخلنا. ولنتخلص منه، علينا أن نعود الى ذاتنا؛ علينا أن نتحدث اليها بصمت، نتحسسها ونحبها. عندها لن تزعجنا الاصوات الخارجية، فبواسطة الزن يمكننا التغلب على زن الزيز.

ولكن، من يدري؟

فقد تطون حدثت طفرة جينية طارئة في الزيز خلال غفوته، حولته الى حشرة ضارة بالبشر. فخلال سبعة عشر عاما، حدثت تغييرات هائلة لا يعرف عنها الزيز، وقد يخرج علينا وإذا بخرطومه أطول قليلا وله أثر سام على الإنسان. وهذا ليس مستبعدا على أية حال، فهو من ضمن أواليات دفاع الطبيعة عن ذاتها ضدنا. ضد هذا الانسان الضار لها ولكل ما عليها. بمعنى أن نكون جاهزين لكل الاحتمالات من الزيز القادم علينا من تحت الأرض بعد أن حرث كورونا الارض وحرث حياتنا بالطول وبالعرض.

واما المهلهل، والذي سماه أخوه كليب بالزير سالم. فهو زير النساء الذي أورث إبن أخته امرؤ القيس فصاحة اللسان وقول الشعر ونسج قصائد الغزل في حسناوات العرب من تغلب وغيرها. وبعد أن قتل جساس البكري كليب التغلبي، هُزمت تغلب من بكر، فهجر الزير سالم موطنه وذهب إلى اليمن ليقضي هناك على يد خادميه.

من قبيل الصدف ان يكون صوت حشرة الزيز يصدر عن الذكر لا عن الأنثى. وقد يكون هذا الزيز زيز سالم، شاعر الرومانسية بلغة لا نعرفها. ويمكن أن تكون الأصوات الصادرة عنه، ليست أكثر من قصائد غزل في زيزي ذات الأجنحة الاربعة الملونة. وما علينا إلا أن نتعلم مبدأ الزن ونتأمل هذا الكون في الأصوات التي تصدر من داخلنا. أما الزيز وغيره فلا يتحدث الينا ولا يكترث بأمرنا. وما يقوم به لا يعدو أن يكون قصيدة غزل زيزية بعد انقطاع ١٧ عاما عن زيزي جميلة الجميلات.