إربد – أحمد الخطيب

بعض الحكايات قدرها أن تبقى بلا نهايات، ولربما يزيد الغموض من جمالها، فتبقى مستوطنة في الذاكرة، يبحث أبطالها عن حلقة مفقودة، ويحاولون استكمالها، علّها تساعدهم على الاستمرار. هذا ما تشي به رواية "غرامافون" للروائي مراد عليان؛ فكلما عزفت الرواية أحد فصولها تجلّى بطلها في عالمه الحقيقي؛ عالمٌ يبدأ بذكرى سقوطه، وينتهي على أعتاب اللحن الأخير من تلك المعزوفة التي رسمت الحقيقة الصادمة أمامه. ولتتركه وحيداً تعصف به علامات الاستفهام والكثير من الغموض والاستغراب والأسئلة التي لم يجد لها إجابات. يسأل نفسه لماذا حدث له كل ما حدث: مرض وشلل وعلاج، وقصة حب لم تكتمل، وزواج عمره ثمانية عشر عاماً لم يستمر. وكأن القدر أراد لصاحبه أن يسير باتجاه قدرٍ مجهول المعالم، يعرف من أين بدأ ويصعب عليه أن يعرف إلى أين ينتهي.

"غرامافون" تقع في مائتين صفحة، وصدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وهي رواية عن غرامافون الروح والجسد معاً؛ فلا وجود لأحدهما دون الآخر، تكشف مضامينها عن أعطاف مظلمة في عمق الكائن البشري؛ وانكسار للأحلام الفردية والجماعية. ويبدو أن مؤلفها مراد عليان يمتلك رؤيته الفريدة للألم الإنساني، تلك الرؤية التي لا تكف عن أن تكون لحاءً لروح خفية، لتصير أقرب إلى ماهية ذاتية، شيئاً صلداً يقاوم الحياة، ويموت حُباً، قبل أن يحيا...

كتب الروائي مراد عليان عن روايته "غرامافون": "منعطفات الحياة، تقلب الظروف والأماكن أو الأشخاص.. عبور نقاط التحوّل، مشاهدة انقلاب موازين الخير والشر، تغيّر الأحوال، تحقيق الطموحات وانهيار الأحلام... جميعها محطات تضعنا على مفترق الخيارات... ذاك المفترق الأصعب في الحياة... فعندما تُسحق الأحلام وتسحبها رمال الحياة المتحركة إلى بطن الأرض، نقف أمام خيارنا الأصعب؛ فإما التحدّي والوقوف من جديد.. وإما الفشل والاستسلام والاختفاء خلف رداء الإنسان المهزوم.. إن تجاوز الواقع الجديد ورسم طريق النجاح حكاية تستحق أن تُروى لأنها تشدو بمعزوفة الحياة".