سليم النجار

قد يحتجُ البعض ويسارع إلى استعراض أسماء أزواج من الحكائين التقيا في الحكي وتواطأ على الكتابة الثّنائية، ومن أشهرها طبعا عبدالرحمن منيف وجبرا ابراهيم جبرا (عالم بلا خرائط، ١٩٨٢) وطه حسين وتوفيق الحكيم (القصر المسحور، ١٩٣٦) وأعمال أخرى كثيرة لروائيّين من لبنان ومصر وسوريا والعراق وفلسطين والمغرب، أخرها كان مطلع سنة ٢٠١٨ : "خطايا أدم " لسامي ميشيل وأحمد مسعد، و"كلارا" لحنين الحسيني ومنال سالم.

ولكنّ الّذي يهمّنا في هذا الضّرب من الكتابة الرّوائية أمران: أن تعكس الرّواية التي يكتبها روائيّ وراائيّة روحا واحدة واسلوبا متناغما ووجهة سردّية واضحة بلا تعثّرات أو نشاز .

وهذا معروف، لكن الجديد في هذا السياق ما فعلته غادة المعايطة في روايتها (حارس خشب السكة ) الصادرة عن دار الان ناشرون/ الاردن، فقد جعلت من المكان روائي والحدث راوي، (عمان - ١٩٧٨).

سألها: (ويش بتقري ؟!)

اعتقدت أنّه يتحدث باللغة الإيطالية، وهي تعلم أنه عاد للتو في إجازة من إيطاليا، حيث يدرس إلى عمان ص١٩.

فقد أكّدت التّجارب، على نُدرتها أنّ مثل هذه الأعمال الرّوائية تَشي بالكثير من الثّغرات التي تعكس صعوبة أن ينصهر السّاردان في نسيج نصّ واحد فلا نشعر بتاين الأصوات فيه ولا ننتبه إلى تنافر على القارئ تعلّق بالأسلوب أو بالرّويا، (مكتية عمي لم تغادر الذاكرة ؛ عقود مضت وما تزال فكرة أن امتلك متجرا لبيع الكتب في البال، هكذا كنت أقول لوالدي : إن لم أتزوج فسوف أمتلك ذلك المتجر. يتذكر قولي، وما يزال كلّما ناقشنا كتابا ص٣٤ ).

والثّاني أن نفحص هذا الأثر الجديد "حارس خشب السكة" لغادة المعايطة، محاولين الوقوف على مدى استجابتها لأسس الكتابة الرّوائية وضوابطها وقوانينها ؛ وإن تعالت في الفترة الأخيرة اصوات تدعو إلى التحرّر من بعض هذه القوانين بداعي مفاهيم عدّة لعلْ أكثرها تردّدا "التّجريبُ" فكثيرون خذلوا النصّ الرّوائي بهذه التعلّة ولم يكتبوا إلاّ تجارب هي أقرب ما يكون إلى البوُح والمحاورات والرّسائل المتبادلة وتسجيل الوقائع اليوميّة على نحو أقرب ما يكون إلى الدّرداشات والتأملات واليوميات. وهذا ما تجاوزته غادة قدر الإمكان وإنطلقت إلى مكان آخر، زواجت فيه الحكاية مع الشخصية والمرآة دائما كانت الراوية، (وصل الجراكسة إلى عمان، حيث لم يكن يسكنها أحد، لم تكن رغبة للقبائل البدوية المحيطة بسكناها لا عتقادهم أن زهر الدفلى عندما يقع في الماء يسبب انتشار الملاريا، ورغم ذلك كان العداء بداية بين الجركسة وجيرانهم لطمع البدوي في امتلاك ما للآخرين، بلغ تمسك الجراكسي بقداسة الأرض التي وصلها إلى أن أحدهم كان لا يقضي حاجته إلا مرّة واحدة في اليوم، عندما أدرك البدو، ذلك بدؤوا يكنون لهم الود والتقدير ص٥٨ ).

إنّ الكتابة الثّنائية، وخاصة الطريقة التي وظّفتها، تبقى معقّدة وتحتاج إلى صبر وجهد مضاعفيُن، ذلك أنّ كتابة الرّواية مغامرة يقبل عليها الرّوائي / الرّوائية، وهما يدركان أنّهما نحتْ يوميّ ومكابدة عسيرة وركض مزهق وراء الشخوص التي يخلقها ويضبط لها مسارات تأباها أحيانا وتتّمرد عليها. أمّا في حال الكتابة الثّنائية فإنّ المغامرة تعظم ومشقّتها تزداد إن لم يكن بين الرّوائيين انسجام في نواحٍ كثيرة واتّفاق في الرّواية والاختبارات الفنية والجمالية، (انا النيل مقبرة للغزاة أنا الشعب ناري تبيد الطغاة ص١٤٩).

وقد يعترض معترضٌ فيقول: إنّ صوتين مختلفين في الكتابة الرّوابة قد يكون شرْطا جماليّا ضروريّا، لأنّه يُضفي مصداقية عفوية قد لا يحتاج في تحقيقها الرّوائي/الرّوائية، المنفرد وإن حرص على تطويع أسلوبه في تقمّص روح الجنس المختلف الذي يُنطقه في النصّ، (وكان انتقال ممدوح للعاصمة عمان، تأتي مسألة الثأر في قضية لا حول له فيها قوة، قضية هددت حياته وأصبح من الخطر أن يقوم بزيارته اليومية للمزرعة، باع قطيعة من الأغنام، وودع الكرك، وأودع بناته الجامعة الأردنية ص٢٠٣).

ومها يكن من أمر، ورغم تعالي الكثير من الأصوات المنادية بضرورة الحفاظ على فردانيّة الأبداع الأدبيّ باعتباره مغامرة فرديّة ورحلة استرجاعية مدارها محاورة الأعماق والمكاشفة الحرّة. فإنّ المتاكّد هو أنّ "حارس خشب السكة" رواية ممتعة تلقّاها القرّاء بمحبّة لأنّها كتبتْ بمحبة كبيرة وبتأنَّ. وهي نصّ يَهدي القارئ متعا جمّة ؛ لعلّ دواعيها هذا اللّقاء بين روحيْن / المكان والحكاية متناغميْن متصاديين نجد صداهما المتضافر على نحو بديع الحقيقة وفي التّخييل.

تلك حيرةٌ لذيذ تنتابُ القارئّ مهما تفاوتت الذّوائق وتباينت الأهواء والنّوايا.

فما الذي تقول هذه الرّواية ؟ وكيف قالتْ ودلّت على ما يريد النصّ الرّوائي ويطلُب؟

والرّواية. فوق كلّ ذلك، فإننا نجد في رواية "حارس خشب السكة" سيرة ذاتية ووحدة الأثر ووحدة الشخصية المتحدثة فيه تختلف إحداهما عن الأخرىولا تطابقان بالضرورة واللهم إلا بالنسبة المؤلفة نفسها بطبيعة الحال. رواية "حارس خشب السكة " للكاتبة غادة المعايطة، تبتدأ بالحكاية وتستمر في صناعة الحدث، وتخاطب الضمير المستتر بين خبايا الحدث، رواية تخاطب المنسي في وعينا.

*كاتب اردني