... لقد تغير العالم بعد كورونا، أنا شخصيا تغيرت أيضا...

صرت أقف أمام الصراف الآلي، وأتذكر أن الكثير من البشر مروا عليه، أنظر خلفي وحين لا أجد أحدا، ألف يدي بالجاكيت... وأبدأ بوضع الرقم السري، وحين تخرج النقود أمسكها بطرف أصبعي، ثم أغسل يدي (بالهايجين)، لقد تغيرت كثيرا... لدرجة أني خجلت من خوفي.

حتى (العطسة)، حين صرت أسمعها خلفي من أحد المارة، أشعر أنها (طلق طايش)، وأخاف أن يستقر في كتفي أو يدي، لهذا ومن دون شعور أصبحت.. ألجأ لوضع الانبطاح مباشرة.. يا ترى هل سيتجنبك الفايروس حين تنبطح؟.. لا أعرف ولكني أطور من أساليب الدفاع والمقاومة، حتى أني في بعض الأحيان ألجأ لسور أو حاجزمن أجل الإحتماء خلفه، حتى أتأكد أن مفعولها ذهب..

بصراحة أحس أني جبان، وأشعر أني ملتزم بتعليمات الحكومة، وتعليمات المؤسسات... حتى (اللحام) حين صرت أذهب إليه، أبحث عن تعليمات على الجدران، وحين سألني في الأسبوع الماضي: (بدك اللحمة خشنة ولا ناعمة) أجبته: (إللي بريحك سيدي)...

تخيلوا، أني صرت أصعد إلى منزلي عبر الأدراج، وتركت المصعد، فقد أخبرونا أن الأزرار من الممكن أن تنقل الفايروس، وأنا بطبعي أعتبرها عدوا، وقد تكون لدي حقد عليها.. ولولا أني أخاف أن يقولوا: (عبدالهادي حط راسو براس الأزرار) لقمت بتحطيمها...

نحن عالجنا الكورونا، قاتلنا الوباء، ونسينا ثقافة الخوف التي أنتجها هذا الوباء، فهي أحيانا أخطر من الفايروس نفسه... الخوف يصنع التردد، وينتج القلق.. ويقولون أنه يحد من الإبداع ...وها أنا أكبس على أزرار (اللاب توب)، بتردد وحذر شنيع... هل شاهدتم رجلا يخاف من المقال الذي يكتبه؟.. أنا صرت أخشى ما أكتب، وأخاف من الباء والهمزة وحرف السين.. وصرت أشك في أن (الكبسة) التي تحمل حرف الطاء , ربما تكون متورطة أو متحالفة مع الفايروس ضدي.

ربما سنحتاج بعد الكورونا لأعوام، ونحن نحارب ما أنتجه هذا الوباء، من ريبة وشك وتردد لدى الناس، نحتاج لأن نعالج شبح أرقام الوفيات الذي فتك بهدوء وسكينة الناس، ونحتاج أن نعالج ... الوحدة التي صارت تسيطر علينا، لأن الإختلاط بالبشر بعد أن كان غاية كل إنسان.. أصبح اليوم نقمة، فحين تجلس مع مجموعة من الناس تشعر أنك تسير في حقل ألغام...

كورونا خطرها ليس على الصحة فقط، بل يمتد إلى النفس والتفكير والسلوك.. فقد أنتجت معها ثقافة جديدة وهي ثقافة الخوف، والتي سنحتاج لأعوام طويلة من أجل التخلص منها.. وأجزم أننا الان لا نحتاج لعقار مضاد للفيروس، بقدر ما نحتاج لعقار مضاد للخوف.