قال الملك قبل إثني عشر عاماً ( فالاستقلال هو مسيرة من الإنجازات الوطنية التي تعزز مفهوم السيادة الشاملة، وحرية الإرادة، واتخاذ القرار الوطني الحر. وللحفاظ على الاستقلال وبهذا المفهوم، لا بد من ترسيخ الاستقلال الاقتصادي، من خلال الاعتماد على الذات ) .

ويتضح لنا أن الإعتماد على الذات ليس حديثاً بين التوجيهات الملكية بل تجاوز العقد من الزمان ، وقد ظهر في وقت لم يكن العالم قد شهد فيه بعد ما يسمى بالربيع العربي ، وهذه نقطة أُخرى تحسب للإستشراف بعيد المدى وتحسُّس السّدة الملكية للظروف المحيطة ومآلاتها .

اليوم ، يتعقّد المشهد أكثر في ظلّ الجائحة العالمية المستجدّة إذ يكشّر الكيان الغاصب غربيّ النهر عن أنيابه أكثر ربما نتيجة عجز يمينه المتطرف عن تحقيق مبتغاه طيلة عقود مضت أو سعياً منه لإنقاذ صورته التي طالتها إتهامات الفساد وأثرت عليه إنتخابيّاً ، أو لكلا السببين معاً ، وتتصدّر الـ ( كلّا ) الملكيّة بالمرصاد لكل الوسائل مهما تعددت أشكالها ومن أيّ باب يائس حاولت الدخول ، وإن مصنع القرار الأردنيّ الذي أدار دفة الصراع البارد خلال العقود الماضية بعد صراع الكرامة الساخنة التي شكلت نقطة فاصلة في مسيرة الأمة لقادرٌ على اللعب بأوراق الضغط التي لا يستعجل كشفها ، وما على الداخل إلّا وأن يتماسك ويتكاتف في مواجهة الدعاية الهدّامة والروح السلبية التي يسعى العدوّ لبثها عبر العملاء أو الوكلاء ، وليطمئن من يخشى على معسكر الأردنّ فهو ركن الحقّ المشهود والمنشود لدى قوى العالم أجمع ، وما غادر جبهته لاعب إلّا ودخل مكانه لاعبون أكثر تأثيراً ، ولن نحمّل أنفسنا ما لا طاقة لنا به ، لكننا سنحمي أنفسنا بعون الله وحكمة قيادتنا ووعي نشامى الوطن ونشمياته، تماماً كما إعتدنا .

وخلال الحقبة الماضية، تراكمت بل تضاعفت أرقامٌ ليست بمجرّد أرقام، من فقر وبطالة ومديونية وعبء ضريبيّ ومؤشّرات الفساد العالميّة، وكان بعض ذلك إنعكاسٌ لظروف المحيط الملتهب وبعضه الآخر نتيجة إساءة إستعمال الأدوات من قِبل معظم الحكومات إلّا من رحم ربّي.

ويختزل البعض مخارج النجاة بالحكومات الحزبية أو البرلمانية، ويطول الحديث في تفنيد وجهة النظر هذه إذ نكتفي بالسؤال أين هي الأحزاب البرامجية المؤثرة على الأرض؟ وهل القواعد راضية عن مجالسها النيابية؟ أم أننا نريد تغييراً شكليّاً لا جوهريّاً كما حدث لدى أنظمة سبقتنا إلى الحزبية لكنها رفضت التعدديّة؟ لذا فالعمل على ذلك طويل ، ويحتاج أولي عزم يعلون كلمة الوطن بلا مواقف مسبقة أو نوايا مُبيّتة يؤسّسون لهذا المضمار بموضوعية وصدور واسعة كما تريد له قمّة الهرم، وبالمقابل؛ نحتاج قوى ذات فكر أردنيّ خالص لا تتأثر بإيعازات خارجية أو لا تسعى لإقصاء بعضها البعض وهذا يحتاج إعادة ترتيب الصفوف كذلك ، وعليه فإنّنا نتفق حول الغاية وقد نختلف على الوسيلة والتوقيت.

أما كلمة السرّ في الخطاب الملكي أعلاه فكانت (الشباب)، ولعل معظم الشباب قد فقدوا الكثير من الأمل حتى الآن نتيجة التهميش، والسؤال لكل من تولّى زمام المسؤولية منذ ذاك الحين وحتى تاريخه : كم صعّدتم من الطاقات الشبابية؟ وكم أفسحتم لها من المجال؟ وهل تسمعون دعوات الملك كما نسمعها؟.

نعم لقد جُرِّبَت معظم القوى الكلاسيكية والأخرى مدعية الحداثة وغُيّب الشباب وهم عماد الوطن وذخيرته، وقد كتبت سابقاً أن نهضة الوطن الأولى كانت على أكتاف شبابه، لكن الصعوبة كانت بعد ذلك في قبول القوى النافذة إتاحة المجال لتداول السُّلطة وتبادل الأدوار لغايات تطعيم الكوادر بشبيبة الوطن رغم إتّساع الوطن وحاجته للجميع ، الطاقات والخبرات.

الآن، وبعد كل ما سبق ذكره بعجالة نكون أمام تحدٍّ جديد ربما هو الأكبر لجيل الشباب العالمي والأردنيّ على وجه الخصوص فالجميع سيسعى للعودة إلى أقرب نقطة كان عليها وذلك أضعف الإيمان، أمّا نحن، من صنع أسلافنا المجد من لا شيء سوى بالعقيدة والإيمان، فالوطن ينتظرنا بساحاته ومساحاته، من سياسة وإقتصاد وريادة وصحة وفي كل المجالات، والإسناد الملكيّ لن يخذلنا، بل ما زال يراهن علينا وينتظر يقظتنا.

كل عام والأردنّ، المفاخر بقيادته المفاخرة بشعبها ، قلعة شامخة عصيّة تحدّها الرّيح من كلّ جانب ولا تزيدها إلّا صموداً.